الرئيسية آراء وأقلام القانون 14.25 ليس مجرد تعديل جبائي… بل بداية إعادة توزيع السلطة المالية داخل الجماعات الترابية

القانون 14.25 ليس مجرد تعديل جبائي… بل بداية إعادة توزيع السلطة المالية داخل الجماعات الترابية

FB IMG 1776346509780
كتبه كتب في 16 أبريل، 2026 - 2:35 مساءً

بقلم: د ادريس الفينة

لم يكن دخول مقتضيات القانون رقم 14.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون 47.06 الخاص بجبايات الجماعات الترابية إلى مرحلة التنفيذ العملي، بعد صدور المذكرة المشتركة لوزارتي الداخلية والاقتصاد والمالية بتاريخ 8 أبريل 2026، مجرد خطوة إدارية تقنية تخص مساطر التحصيل فقط. في العمق، نحن أمام لحظة مؤسساتية أكثر أهمية: إعادة رسم لخريطة السلطة المالية داخل المنظومة الترابية، وانتقال تدريجي من نموذج تتوزع فيه المسؤوليات بشكل مشتت إلى نموذج أكثر تركيزًا ووضوحًا وربطًا بين القرار الجبائي والنتيجة المالية. أصل هذا التحول يعود إلى القانون 14.25 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7412 بتاريخ 12 يونيو 2025، والذي جاء تنزيلًا لتوجيهات القانون-الإطار 69.19 في ما يتعلق بملاءمة جبايات الجماعات الترابية مع قواعد ضرائب الدولة في الوعاء والتحصيل والمراقبة والمنازعات والخدمات الإلكترونية.

النص الذي انطلقتَ منه التقط جزءًا مهمًا من الصورة، لكنه لم يذهب بعيدًا بما يكفي في تفسير المعنى السياسي والإداري لهذا الورش. فالمذكرة المشتركة لم تأت فقط لتقول إن القابضين الجماعيين سيتولون تحصيل بقايا الديون بدل الخزنة الجهويين والإقليميين، بل جاءت لتفعل عمليًا مبدأً أوسع كان حاضرًا في النقاش البرلماني حول القانون: “من يقوم بالإصدار يقوم بالتحصيل”. وزير الداخلية قال صراحة أمام مجلس النواب إن تقييم مرحلة 2021 إلى 2025 أفضى إلى إعادة توزيع الاختصاصات بهذا المنطق، سواء بالنسبة للرسوم التي ستتولاها المديرية العامة للضرائب، أو بالنسبة لباقي الرسوم التي ستتولاها القباضات الجماعية، مع هدف واضح هو تقليص الباقي استخلاصه ورفع نجاعة التحصيل.

جوهر الإصلاح إذن ليس فقط في من يجمع الأموال، بل في من يمتلك مفاتيح القرار المالي المحلي. القانون 14.25 عدّل بعض المواد الجوهرية في القانون 47.06، وأحدث المادة 167 المكررة التي تعيد تعريف “المحاسب العمومي المكلف بالتحصيل”، بحيث يصبح قباض إدارة الضرائب مختصين بالرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، بينما يصبح القباض الجماعيون مختصين بباقي الرسوم الواردة في القانون. والأهم من ذلك أن النص يؤهلهم صراحة لمباشرة جميع إجراءات التحصيل بما فيها التحصيل الجبري، وهو ما يعني أن الجماعة لم تعد تنتظر طرفًا خارجيًا لينجز مرحلة حاسمة في دورة مواردها، بل باتت تقترب أكثر من التحكم الفعلي في مصير جزء مهم من مداخيلها.

هنا تظهر الطبيعة الاستراتيجية الحقيقية لهذا الإصلاح. فالجماعات الترابية في المغرب عانت لسنوات من مفارقة بنيوية: لها اختصاصات تنموية متزايدة، لكنها لا تملك دومًا نفس الدرجة من التحكم في مواردها الذاتية، سواء على مستوى الوعاء أو الاستخلاص أو تتبع المتأخرات. القانون-الإطار 69.19 كان قد حدّد هذا الخلل بوضوح عندما نص في مادته التاسعة على ضرورة مراجعة قواعد جبايات الجماعات الترابية وملاءمتها مع جبايات الدولة، وفي مادته العاشرة على اتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية اللازمة لإقرار نمط حكامة جبائية مناسب للجماعات الترابية. لذلك فالقانون 14.25، والمذكرة التنفيذية التي تلته، يجب أن يُقرآ باعتبارهما ترجمة عملية لمفهوم الحكامة الجبائية الترابية، لا مجرد إجراء محاسبي معزول.

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الدولة لا تقوم فقط بإعادة ترتيب مساطر التحصيل، بل تعيد تعريف العلاقة بين اللامركزية المالية والمسؤولية التدبيرية. عندما يصبح القابض الجماعي هو المسؤول المباشر عن تتبع واستخلاص المستحقات غير المحصلة في أغلب الرسوم المحلية، فإن الجماعة ستفقد تدريجيًا ذريعة إلقاء ضعف المردودية على تشتت المتدخلين. سيكون عليها، بالمقابل، أن تطور أدواتها في التتبع، والتحيين، وضبط قواعد البيانات، وربط الجباية بالتخطيط المالي وببرمجة الاستثمار. ولذلك فنجاح هذا الورش لن يُقاس بعدد الملفات المنقولة فقط، بل بمدى تحوله إلى ثقافة تدبيرية جديدة داخل الجماعات، عنوانها: لا تنمية محلية من دون سيادة فعلية على الموارد الذاتية. هذا الاستنتاج تدعمه أيضًا المنصة الرسمية للجماعات الترابية التي قدمت القانون 14.25 باعتباره جزءًا من ترشيد الوعاء والأسعار ووضع حكامة جبائية مناسبة وفق مقتضيات القانون-الإطار.

غير أن أي قراءة جادة ينبغي ألا تنزلق إلى التفاؤل السهل. لأن هذا التحول، رغم وجاهته المؤسساتية، يحمل معه ثلاثة اختبارات صعبة. أولها الاختبار البشري. فالقانون لا ينجح بمجرد نقل الاختصاص، بل يحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة قادرة على تدبير ملفات معقدة تتعلق بالتحصيل الجبري، والمتابعات، والمنازعات، والتقادم، والتبليغ، والتنسيق مع الآمرين بالصرف. بعض القراءات القانونية التي تناولت مستجدات القانون 14.25 نبّهت إلى أن نجاح الإصلاح رهين بتقوية العنصر البشري، وتحسين الخدمات، وتهيئة شبابيك واستقبال وتواصل مؤسساتي يواكب الملزمين في هذه المرحلة الانتقالية.

أما الاختبار الثاني فهو الانتقال المؤسساتي نفسه. فالمذكرة، كما ورد في المقال الذي أرسلته، لا تنقل المال فقط، بل تنقل أيضًا الأرشيف، وقواعد البيانات، وملفات المنازعات، والوثائق، والمعطيات المعلوماتية. وهذه ليست مسألة شكلية، لأن كل خلل في نقل المعطيات أو في سلامة الملفات أو في استمرارية تتبع النزاعات قد ينتج عنه ارتباك قانوني ومالي مباشر. بل إن بعض التحليلات القانونية أثارت صراحة سؤال الفترات الانتقالية، وكيفية تدبير الدعاوى والطعون والآجال القضائية وتبادل المسؤولية بين الإدارات المتعاقبة على الملف، محذرة من أن نقل الاختصاص دون تخريجات عملية دقيقة قد يخلق مناطق رمادية تُربك الإدارة والملزم في آن واحد.

ويبقى الاختبار الثالث هو الأهم: هل سيؤدي الإصلاح فعلًا إلى زيادة المداخيل، أم فقط إلى إعادة توزيع المسؤوليات؟ هذا هو السؤال الحاسم. لأن مشكل الجبايات الترابية في المغرب لم يكن يومًا مشكل تحصيل فقط، بل أيضًا مشكل تحيين للوعاء، وتنقية لسجل الملزمين، ووضوح في المساطر، وربط للجباية بالرقمنة، وتحسين لعلاقة الثقة مع الملزمين. عدد من القراءات المواكبة للقانون 14.25 ربطت رهاناته بالضبط بهذه العناصر: جودة الخدمة، الامتثال الضريبي، توضيح الوعاء، استعمال الإحصائيات والمعطيات الرقمية، وتطوير الرقمنة. وإذا لم تتحول هذه العناصر إلى ممارسة يومية، فقد نجد أنفسنا أمام تغيير في الواجهة المؤسساتية من دون قفزة حقيقية في المردودية.

ومن المهم هنا الانتباه إلى أن القانون 14.25 لا يعالج فقط مسألة التحصيل، بل يكشف أيضًا عن منطق إصلاحي تدريجي. فمن جهة، جمع القانون تحت مظلة المديرية العامة للضرائب الرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، بما يكرس وحدة أكبر بين الإصدار والتحصيل بالنسبة لهذه الرسوم. ومن جهة ثانية، أحدث القباض الجماعيين بالنسبة لباقي الرسوم، بما يعني أن الدولة اختارت مقاربة مزدوجة: توحيد تدبير بعض الرسوم داخل إدارة ضريبية مركزية ذات خبرة، وفي الوقت نفسه تقوية الذراع الجبائية المحلية للجماعات بالنسبة للرسوم الأخرى. هذا التصميم المؤسسي لا يبدو اعتباطيًا، بل يشير إلى أن المشرع يختبر نموذجًا مرحليًا لإعادة هيكلة الجباية الترابية على أسس أكثر عقلانية.

المقال الأصلي كان محقًا عندما أشار إلى أن السلطات شددت على التنسيق مع الولاة والعمال ورؤساء المجالس الجماعية لتأمين تنزيل سلس. لكن القراءة الاستراتيجية تضيف أن هذا التنسيق ليس مجرد حرص إداري على “السلاسة”، بل اعتراف ضمني بأن الإصلاح عالي الحساسية. فالجباية المحلية ليست ملفًا تقنيًا صرفًا؛ إنها تمس التوازن بين المركز والتراب، وبين الإدارة المنتخبة والإدارة المعينة، وبين الحاجة إلى الموارد وواجب احترام الحقوق والإجراءات. لذلك فكل انتقال في هذا الحقل هو في جوهره إعادة ترتيب لموازين السلطة المالية داخل الدولة الترابية.

لهذا أرى أن العنوان الحقيقي لما يجري اليوم ليس “نقل استخلاص الديون” فقط، بل بداية اختبار جدي لنضج اللامركزية المالية في المغرب. فإذا نجحت الجماعات، عبر قباضها ومصالحها الجبائية، في تقليص الباقي استخلاصه، وتحيين الوعاء، وضبط المنازعات، وتحسين علاقتها بالملزمين، فإن القانون 14.25 سيكون قد فتح بابًا مهمًا نحو استقلال مالي أكثر واقعية. أما إذا اقتصر الأمر على ترحيل الملفات من رف إلى رف، ومن إدارة إلى إدارة، من دون بناء قدرة مؤسساتية جديدة، فسنكون أمام تغيير شكلي في العناوين لا أكثر.

مشاركة