ز. محمود
في زحمة الأحكام الجاهزة وضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، تضيع أحيانًا حقيقة بسيطة: خلف كل قصة مثيرة للجدل، توجد إنسانة من لحم ودم، وقبل كل شيء أمٌّ لها قلب يخفق لأبنائها.
هذه السيدة، التي عاشت تجربة السجن بكل قسوتها، خرجت إلى مجتمع لم يكن في انتظارها سوى عدسات الصحافة وفضول المتابعين. لا عائلة تستقبلها، ولا أصدقاء يخففون عنها وطأة العودة، ولا حتى فرصة عمل تعيد إليها الإحساس بالاستقرار. مطلبها الوحيد اليوم واضح وبسيط: أن تُمنح فرصة للقاء أبنائها، وأن تستعيد جزءًا من دورها كأم.
الأم ليست مجرد صفة بيولوجية، بل مدرسة أولى، وحضن أمان، وذاكرة طفولة. حضورها في حياة الأبناء ليس ترفًا، بل حاجة نفسية وتربوية عميقة.
فالطفل، مهما اشتدت الخلافات بين والديه، يظل في حاجة إلى أمه كما يحتاج إلى أبيه. والحرمان من أحدهما يترك فراغًا لا يعوضه شيء.
في المجتمع المغربي، كانت الأم دائمًا رمز التضحية والصبر، وركيزة تماسك الأسرة. وحتى عندما تخطئ، فإن خطأها لا يلغي أمومتها، كما أن عثرتها لا تمحو سنوات العطاء.
السجن ليس فقط جدرانًا وأسوارًا، بل تجربة قاسية تعيد ترتيب الأولويات.
تقول إنها ندمت كثيرًا على “سخونية الراس” التي دفعتها إلى مسار كلّفها أسرتها واستقرارها وسمعتها المهنية. والندم، حين يكون صادقًا، ليس ضعفًا، بل بداية مراجعة.
التجربة علمتها – كما تقول – أن ردود الفعل الانفعالية قد تدمّر سنوات من البناء، وأن لحظة غضب قد تشتّت بيتًا بأكمله. لكنها تعلمت أيضًا أن الإنسان يمكن أن يسقط… ثم يحاول النهوض.
لا أحد ينكر أن أخطاء ارتُكبت، وأن ثمنًا دُفع. لكن المجتمع الذي لا يترك مساحة للفرصة الثانية، يحكم على أفراده بالإقصاء الدائم.
الكرامة حق، والعمل حق، وحق الزيارة حق قانوني وأخلاقي قبل أن يكون عاطفيًا.
وإن كانت مواقع التواصل قد تحولت في فترة ما إلى مصدر دخل مؤقت بالنسبة لها، فإن المرحلة الجديدة – كما يطالب كثيرون – تحتاج إلى هدوء، وابتعاد عن الأضواء، وبحث جاد عن عمل كريم يعيد لها توازنها.
يبقى دور الأب محوريًا في هذه القصة. فالشهامة ليست في الانتصار في معركة شخصية، بل في تغليب مصلحة الأبناء.
القول المأثور “لي غلب يعف” يختصر الكثير: من يملك القوة القانونية أو الاجتماعية، يملك أيضًا فرصة إظهار العفو والرحمة.
ربما صار الرجوع مستبعدًا، وربما أصبح الفراق واقعًا لا رجعة فيه، لكن الزمن طويل، والحياة تمضي.
سيأتي يوم، بعد عمر مديد بإذن الله، يكون فيه هو الجد، وتكون هي الجدة، ويجتمعان في مناسبة عائلية حول أحفادهما. يومها لن يبقى من الصراعات سوى الذكريات، ولن يهم إلا أن الأبناء كبروا في بيئة يسودها الاحترام المتبادل.
الأبناء ليسوا طرفًا في الخلاف. حاجتهم إلى أمهم لا تعني التقليل من دور أبيهم، كما أن تمكينها من حقها في الزيارة لا يعني محو ما حدث.
العدالة الحقيقية هي التي توازن بين المحاسبة والرحمة، وبين حماية الاستقرار الأسري وضمان الحقوق.
الحياة، كما يقال، تصبح أخف حين نواجهها بعقل بارد وقلب واسع.
لا “شدّ لي نقطع ليك” يبني بيتًا، ولا العناد يعيد دفء العائلة.
هي اليوم أمٌّ تطلب فرصة لترمم ما يمكن ترميمه، وهو أبٌ قادر – إن اختار – أن يكتب فصلًا من الشهامة في قصة لن تمحوها السنوات، لكنها قد تخفف من قسوتها.
وفي النهاية، تبقى الأم أمًّا… حتى وإن أخطأت. ويبقى الأب أبًا… حين يختار أن يسمو فوق الجراح.

