الطبقة السياسية الدولية والأبعاد الأخلاقية والحقوقية للعلاقات الدولية:

Srifi

الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

المقدمة

تُعدّ الطبقة السياسية الدولية أحد أبرز الفاعلين في تشكيل بنية النظام العالمي، بما تمتلكه من سلطة القرار والتوجيه، سواء داخل الدول الكبرى أو عبر المؤسسات والمنظمات الدولية.
ومع تعاظم التحديات العابرة للحدود : كالنزاعات المسلحة، التغير المناخي، وانتهاكات حقوق الإنسان، يزداد السؤال إلحاحًا حول:

إلى أي مدى ما زالت الأخلاق وحقوق الإنسان تؤثران في سلوك الطبقة السياسية الدولية، أم أنّ المصلحة والقوة صارتا المرجعية الوحيدة للعلاقات الدولية؟

أولاً: مفهوم الطبقة السياسية الدولية:

الطبقة السياسية الدولية تُشير إلى النخبة العالمية الحاكمة التي تتحكم في القرار الدولي عبر شبكات معقدة من الدول والمؤسسات، وتشمل:
• القوى العظمى (كالولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي).
• المنظمات الدولية كـ الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، وحلف الناتو.
• الفاعلين غير الحكوميين المؤثرين مثل الشركات المتعددة الجنسيات، اللوبيات، ومراكز التفكير العالمية.

هذه الطبقة تُمارس سلطة مادية ورمزية تتجاوز الحدود الوطنية، وتعيد صياغة القواعد الأخلاقية والقانونية وفق مصالحها الجيوسياسية.

ثانياً: البعد الأخلاقي في سلوك الطبقة السياسية الدولية

منذ إيمانويل كانط وكتابه السلام الدائم (1795)، ظهر الطموح نحو تأسيس نظام دولي أخلاقي يقوم على التعاون والعدالة.
لكن الممارسة الواقعية التي أبرزها نيكولا ميكيافيلي وهانس مورغنثاو أثبتت أن السياسة الخارجية تحكمها المصلحة لا الأخلاق.

في المقابل، حاول مفكرون ليبراليون معاصرون مثل جون رولز،جوزيف ناي إعادة إدخال الأخلاق في السياسة الدولية من خلال:
• القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف كآليات لتقنين القيم.
• القوة الناعمة كوسيلة لتأثير أخلاقي وثقافي بدل الإكراه العسكري.

لكن التناقض بين الخطاب والممارسة ظلّ قائمًا، حيث تُستخدم الأخلاق غالبًا كغطاء شرعي للهيمنة.

ثالثاً: البعد الحقوقي للعلاقات الدولية:

تشكل حقوق الإنسان الامتداد القانوني للأخلاق في العلاقات الدولية.
فهي تُجسّد القيم الكونية للكرامة والحرية والعدالة. غير أن الطبقة السياسية الدولية تتعامل معها بمقاربة انتقائية.
ُبرز هذا السلوك ما يسميه يورغن هابرماس “أزمة الشرعية الأخلاقية” في النظام الدولي، حيث تتحول القيم إلى أدوات تواصلية فاقدة للمضمون العملي.

رابعاً: التناقض البنيوي بين الأخلاق والقوة

ترتكز العلاقات الدولية على ثنائية القوة والقيمة.
ففي حين تُعدّ الأخلاق وحقوق الإنسان رمز الشرعية، تمثل القوة أداة الفعل السياسي الواقعي.
وبالتالي، فإن الطبقة السياسية الدولية تسعى إلى تحقيق توازن بين المظهر الأخلاقي والمضمون البراغماتي:
• فهي تتحدث بلغة القيم لتكسب الشرعية.
• لكنها تتصرف بمنطق القوة لحماية مصالحها الاستراتيجية.

وهنا يظهر ما يسميه ميشيل فوكو بـ«تسييس الخطاب الأخلاقي»، أي استخدام القيم لإعادة إنتاج السلطة.

خامساً: نحو أخلاق عالمية جديدة

رغم هيمنة المصلحة، فإن بروز فاعلين جدد كالمجتمع المدني العالمي، الحركات الحقوقية، والمنظمات الإنسانية يمثل بداية تحول في ميزان الشرعية الدولية.
فهؤلاء الفاعلون يسعون إلى إرساء أخلاق كونية مستقلة عن إرادة الطبقة السياسية الدولية، قائمة على:
• المسؤولية المشتركة تجاه البيئة والإنسان.
• التضامن العالمي بدل الصراع الجيوسياسي.
• المساءلة الدولية بدل الحصانة السياسية.

الخاتمة

يمكن القول إن الطبقة السياسية الدولية تظل الفاعل المركزي في تحديد طبيعة التفاعل بين الأخلاق وحقوق الإنسان في العلاقات الدولية.
غير أن ازدياد وعي الشعوب وظهور فاعلين عالميين غير حكوميين يجعل من الممكن إعادة بناء نظام دولي أكثر توازنًا بين القوة والشرعية، والمصلحة والواجب.