يشكل نظام التخفيض التلقائي للعقوبة إحدى أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، في إطار تنزيل مقتضيات الظهير الشريف الصادر بتاريخ 13 غشت 2025. ويعكس هذا المقتضى توجهاً إصلاحياً يروم تحديث السياسة العقابية بالمملكة وتعزيز بعدها الإنساني والتأهيلي.
وقد جاء هذا الورش الإصلاحي انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية التي أكد عليها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح السنة القضائية بأكادير سنة 2003، حيث شدد على ضرورة صون كرامة السجناء وتوفير شروط إعادة إدماجهم في المجتمع، باعتبار أن العقوبة لا تعني إسقاط الصفة الإنسانية عن المحكوم عليه.
إطار مؤسساتي منظم
يندرج التخفيض التلقائي للعقوبة ضمن الكتاب السادس من قانون المسطرة الجنائية، وتحديداً الباب الرابع المكرر (المواد 632-1 إلى 637-7 مكرر). ويتم تفعيله عبر لجنة تحدث على مستوى المحكمة الابتدائية التي تقع المؤسسة السجنية داخل نفوذها الترابي.
وتضم هذه اللجنة مدير المؤسسة السجنية، ورئيس المعقل، والمشرف الاجتماعي، ورئيس كتابة الضبط القضائي، وطبيب المؤسسة، تحت إشراف قاضي تطبيق العقوبات ومراقبة النيابة العامة. كما تم إحداث لجنة لمراقبة تطبيق التخفيض التلقائي للعقوبة للبت في التظلمات وضمان شفافية المسطرة.
ويأتي هذا التنظيم في سياق الجهود التي تبذلها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج لتحديث المنظومة السجنية، من خلال مقاربة تشاركية تراهن على الاستثمار في الرأسمال البشري داخل المؤسسات السجنية.
شروط ومعايير الاستفادة
حدد المشرع شروطاً موضوعية للاستفادة من التخفيض التلقائي، أهمها:
أن يكون الحكم مكتسباً لقوة الشيء المقضي به.
أن يقضي المحكوم عليه ربع العقوبة على الأقل.
أن يُظهر تحسناً في السلوك خلال فترة الاعتقال.
أما بخصوص مدة التخفيض، فتختلف بحسب العقوبة:
خمسة أيام عن كل شهر إذا كانت العقوبة سنة أو أقل.
شهر واحد عن كل سنة وثلاثة أيام عن كل شهر إذا كانت العقوبة تتجاوز سنة.
كما يمكن منح تخفيض إضافي للسجناء الذين أبانوا عن مجهودات متميزة في برامج الإدماج أو الدراسة أو التكوين المهني أو العلاج، في حدود خمس مرات طيلة مدة العقوبة.
ضمانات ومساطر رقابية
خول القانون لقاضي تطبيق العقوبات أو وكيل الملك صلاحية إيقاف تنفيذ قرار التخفيض إذا تبين عدم توفر الشروط القانونية أو وجود ملاحظات حول سلوك السجين. كما يحق للسجين الذي لم يستفد من التخفيض رفع تظلم أمام اللجنة المختصة، التي تبت فيه داخل أجل محدد، مع إمكانية الاستعانة بمحام.
واللافت أن مقررات اللجنة غير قابلة للطعن، وهو ما يمنحها طابعاً نهائياً يعكس رغبة المشرع في تحقيق النجاعة والسرعة في البت.
موانع الاستفادة
لا يستفيد من التخفيض التلقائي السجناء الذين صدرت في حقهم عقوبات تأديبية وفق القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، خاصة في حالات الأخطاء الجسيمة المصنفة ضمن الدرجتين الأولى والثانية.
نحو عدالة إصلاحية متوازنة
إن التخفيض التلقائي للعقوبة ليس امتيازاً مجانياً، بل هو آلية تحفيزية تقوم على مبدأ الثواب مقابل الانضباط والمشاركة الإيجابية في برامج التأهيل. وهو بذلك يجسد انتقال السياسة الجنائية من منطق الزجر الصرف إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج.
فالعقوبة في بعدها الحديث لا تكتفي بسلب الحرية، بل تسعى إلى تقويم السلوك وتهيئة المحكوم عليه للعودة إلى المجتمع فرداً صالحاً ومنتجاً. ومن هذا المنطلق، يشكل هذا المستجد لبنة أساسية في بناء عدالة إنسانية متوازنة، تراعي هيبة القانون وتحفظ في الآن ذاته كرامة الإنسان.
التخفيض التلقائي للعقوبة: خطوة إصلاحية لتعزيز الإدماج وصون الكرامة الإنسانية

كتبه Srifi كتب في 16 فبراير، 2026 - 5:41 مساءً
مقالات ذات صلة
8 مارس، 2026
حرب الخليج وغلاء الأضاحي… عندما يتحول التبرير إلى ذريعة.
بقلم: عبد السلام اسريفي مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يتجدد الجدل نفسه حول أسعار الأضاحي، وتعود معه مبررات [...]
7 مارس، 2026
اختفاء الأطفال بالمغرب… ناقوس خطر يطرح دور الأسرة في حماية الطفولة
بقلم:عشار أسامةأصبحت ظاهرة اختفاء الأطفال بالمغرب خلال الأشهر الأخيرة موضوعاً يثير قلقاً متزايداً داخل المجتمع، خاصة مع تداول عدد من [...]
6 مارس، 2026
الحرب في الخليج وأسعار المحروقات.. عندما يدفع المواطن ثمن الصراعات
بقلم: د.يوسف الجياني/ عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة. كلما اندلعت حرب أو تصاعد التوتر [...]
5 مارس، 2026
الوزير المستورد
بقلم الاستاذ كفيل محمد الامين العام لحزب النهضة والفضيلة قد أتفق مع سيادة الوزير رياض مزور في نقطة واحدة على [...]
