بقلم:عشار أسامة
تشكل حملات تحرير الملك العمومي التي تباشرها السلطات المحلية بعدد من المدن المغربية لحظة إعلامية حساسة، تتقاطع فيها رهانات القانون مع انتظارات المواطنين، كما تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية بالاقتصادية. وفي خضم هذا التداخل، يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد تحترم وسائل الإعلام أخلاقيات المهنة أثناء تغطيتها لهذه الحملات؟
تُعد أخلاقيات المهنة الصحفية إطاراً مرجعياً ينظم عمل الصحفيين، ويرتكز على مبادئ الدقة، والتوازن، والاستقلالية، واحترام الكرامة الإنسانية. وفي السياق المغربي، يشكل المجلس الوطني للصحافة هيئة تنظيمية تسهر على ترسيخ هذه المبادئ من خلال مدونة الأخلاقيات، التي تلزم الصحفي بتقديم خبر متوازن، يستقي معطياته من مصادر متعددة، ويبتعد عن الإثارة أو التجييش.
غير أن تتبع بعض التغطيات الإعلامية لحملات تحرير الملك العمومي يكشف تفاوتاً واضحاً في مستوى الالتزام بهذه القواعد. فبينما تحرص منابر إعلامية على نقل الوقائع كما هي، مع إتاحة الفرصة لممثلي السلطات المحلية وللمتضررين على حد سواء للتعبير عن وجهات نظرهم، تنزلق أخرى نحو خطاب أحادي، إما منحاز بالكامل للسلطة بدعوى تطبيق القانون، أو متعاطف حصرياً مع الباعة وأصحاب المحلات دون مساءلة قانونية الوضعيات.
في حالات معينة، يُلاحظ توظيف عناوين مثيرة وصور صادمة لجذب التفاعل الرقمي، ما قد يمس بمبدأ احترام الكرامة الإنسانية، خصوصاً عندما يتم تصوير أشخاص في لحظات توتر أو انهيار دون مراعاة لخصوصيتهم. كما أن النقل المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون تحقق كافٍ من المعطيات، قد يفتح الباب أمام نشر أخبار غير دقيقة أو مجتزأة من سياقها.
في المقابل، تبرز تجارب إعلامية مسؤولة اعتمدت مقاربة تفسيرية، تشرح الإطار القانوني للملك العمومي، وتوضح مساطر الإشعار والإنذار، وتستحضر البعد الاجتماعي المرتبط بالأنشطة غير المهيكلة. هذا النوع من المعالجة ينسجم مع روح الصحافة المهنية، التي لا تكتفي بنقل الحدث، بل تضعه في سياقه العام.
إن احترام أخلاقيات المهنة في مثل هذه القضايا لا يعني الحياد البارد، بل يقتضي التوازن الواعي، الذي يفسح المجال لكل الأطراف، ويحتكم إلى الوقائع الموثقة، بعيداً عن الانفعال أو الاصطفاف. فالإعلام، باعتباره سلطة رابعة، مطالب بأداء دور رقابي مسؤول، لا أن يتحول إلى أداة تبرير أو منصة تعبئة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن صورة التغطية الإعلامية لحملات تحرير الملك العمومي تظل متباينة، تعكس اختلاف مستويات المهنية بين المنابر. ويبقى الرهان الحقيقي هو تعزيز التكوين المستمر للصحفيين، وترسيخ ثقافة الالتزام بمدونة الأخلاقيات، بما يخدم حق المواطن في إعلام مهني، دقيق ومتوازن.
الرئيسية آراء وأقلام ما مدى احترام وسائل الإعلام لأخلاقيات المهنة خلال تغطية حملات تحرير الملك العمومي؟
ما مدى احترام وسائل الإعلام لأخلاقيات المهنة خلال تغطية حملات تحرير الملك العمومي؟

كتبه Srifi كتب في 15 فبراير، 2026 - 4:59 مساءً
مقالات ذات صلة
13 أبريل، 2026
انتخابات شتنبر 2026 بين رهان تفكيك الريع الانتخابي واستمرار إعادة إنتاج النخب
بقلم: عبد السلام اسريفي مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال مركزي: هل تشكل [...]
13 أبريل، 2026
بين لغة العاطفة ولغة الأرقام.. من يحمل “همّ” الوداد الحقيقي؟
يطالب البعض في الآونة الأخيرة برحيل هشام أيت منا، تحركهم غيرة صادقة على القميص وعاطفة تجاه الكيان لا يمكن التشكيك [...]
10 أبريل، 2026
العيادي بنبيݣة : المغرب أمام فرصة استراتيجية في عالم غير مستقر
العيادي بنبيݣة منذ فترة، عندما فاز المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بكأس العالم للفئة نفسها، كنت قد دافعت عن فكرة [...]
10 أبريل، 2026
Layadi benbiga : le Maroc face à une opportunité stratégique dans un monde instable
Il y a quelque temps, lorsque l’équipe nationale des moins de 20 ans du Maroc avait remporté la Coupe du [...]
