الرئيسية آراء وأقلام إسبانيا تسحب الغطاء الرمزي… والرسائل لم تعد مشفّرة

إسبانيا تسحب الغطاء الرمزي… والرسائل لم تعد مشفّرة

453465.jpeg
كتبه كتب في 11 فبراير، 2026 - 10:18 صباحًا

بقلم:عبد السلام اسريفي

ما جرى في مدريد ليس تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل رسالة سياسية واضحة المعالم. حين يختار وزير الخارجية الإسباني استقبال وزراء خارجية المغرب وموريتانيا والجزائر، إضافة إلى المبعوث الأممي، ويمتنع في المقابل عن تخصيص أي لقاء لممثل جبهة البوليساريو، فإن الأمر يتجاوز ترتيب المواعيد إلى إعادة تعريف لمن تعتبرهم إسبانيا أطرافاً فاعلة في مسار الحل.
منذ إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، دخل الموقف الإسباني مرحلة جديدة قوامها الواقعية السياسية. إسبانيا، التي كانت تاريخياً تمشي على حبل التوازنات الدقيقة، قررت أن تنزل من منطقة الرمادي إلى وضوح الموقف. الرسالة هنا مزدوجة: دعم صريح للمقاربة المغربية من جهة، وإقرار ضمني بأن الفاعلين الحقيقيين في هذا النزاع هم الدول، لا الكيانات غير المعترف بها دولياً.
رفض استقبال ممثل البوليساريو يعكس تحولاً في قراءة المشهد. فمدريد تدرك أن استمرار التعامل مع الجبهة كطرف موازٍ للدول يكرس وضعاً سياسياً لم يعد ينسجم مع موازين القوى ولا مع التحولات الدولية. كما أن تحميل الجزائر مسؤوليتها السياسية المباشرة في النزاع بات توجهاً متزايد الحضور في العواصم المؤثرة، بعد سنوات من إدارة الملف عبر واجهات.
التحول الإسباني لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع. فالموقف الأمريكي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، وتجديد مجلس الأمن دعوته إلى حل سياسي واقعي وعملي، كلها مؤشرات على أن نافذة التسوية تضيق أمام الأطروحات القصوى. العالم يتحرك بمنطق المصالح والاستقرار الإقليمي، لا بمنطق الشعارات المؤجلة.
اللافت أن مدريد لم تعلن قطيعة صاخبة، بل مارست ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الصامتة الحاسمة”: لا استقبال، لا صور، لا اعتراف رمزي. أحياناً يكون الامتناع أبلغ من التصريح.
هل يعني ذلك أن الحل بات وشيكاً؟ ليس بالضرورة. لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت. من كان يُقدَّم كطرف مركزي بات يُتعامل معه كفاعل هامشي في حسابات بعض العواصم. ومن كان يُتهم بالانحياز، بات يتحدث بلغة “الواقعية السياسية”.
في نهاية المطاف، النزاعات الطويلة لا تُحسم بالعواطف، بل بإرادة سياسية صلبة وقراءة دقيقة لموازين القوى. وإسبانيا، على ما يبدو، اختارت أن تكون جزءاً من معادلة الحل كما تُرسم اليوم، لا كما كانت تُروى بالأمس.

مشاركة