بقلم: ذ.محمد كيفيل،المحامي والأمين العام لحزب النهضة والفضيلة.
ذُرفت الدموع يوم مغادرة رئاسة الحزب، وكان المشهد لافتًا في رمزيته، ثقيلًا في رسالته. غير أن ما أثار الحزن العميق لدى كثير من المغاربة، يا رئيس الحكومة، ليس البكاء في حدّ ذاته، بل غيابه حين كان واجبًا، وحضوره حين لم يعد كافيًا.
لم نرَ هذه الدموع حين كانت الزلازل تُسقِط البيوت على ساكنيها، وحين هُدِّمت منازل الآمنين، وتحول الليل إلى خوف دائم، والنهار إلى انتظار طويل. لم نرَها حين افترش المواطنون الخيام، وتعلّقوا بوعود إعادة الإعمار التي طال أمدها، وغابت معها آجال واضحة وإرادة سياسية تُطمئن المنكوبين بأن الدولة تشعر بما أصابهم, فلمثل هؤلاء تذرف الدموع .
لم نرَ هذه الدموع حين جرفت السيول القرى والأحياء، وشُرّدت الأسر،
وحين طُمِرَت تلك المدينة بالمياه، وأُدخلت قسرًا في عزلة قاسية،
مدينة لا تعرف متى تعود إلى حياتها،
ولا متى يتحوّل الانتظار من عبء نفسي إلى حلّ فعلي.
هناك، حيث كان الألم عامًا، لم يظهر التأثّر بنفس الوضوح,فلمثل هؤلاء تذرف الدموع يا رئيس الحكومة .
لم نرَ هذه الدموع حين ارتفعت أسعار المحروقات، وارتفعت معها كلفة المعيشة،
وحين ضاق الهامش على المواطن البسيط،
وحين وجد نفسه وحيدًا في مواجهة الغلاء،
بينما كانت القرارات تُتخذ دون حماية كافية للقدرة الشرائية،
ودون شعور ملموس بأن الحكومة تنحاز لمن يدفعون ثمن الأزمات.
لم نرَ هذه الدموع حين طال انتظار الشباب للعمل،
وحين تحوّلت الوعود إلى خطابات موسمية،
وحين بقي آلاف الخريجين عالقين بين بطالة قاسية واعتماد اضطراري على أسرهم،
لا لغياب الكفاءة، بل لغياب سياسات تشغيل حقيقية تُنقذ جيلاً كاملًا من الإحباط.
إن الدموع، يا رئيس الحكومة، ليست مشهدًا عابرًا،
بل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا.
ودموع المسؤول لا تُقرأ بمعزل عن سياقها،
ولا تُفهم خارج توقيتها.
فحين تبكي السلطة عند مغادرة المواقع،
ولا تبكي عند مواجهة المآسي،
يحقّ للمواطن أن يتساءل عن ترتيب الأولويات،
وعن المسافة التي تفصل القرار عن الألم اليومي للناس.
لقد عرفت هذه البلاد أزمات متتالية،
وكوارث قاسية،
واختلالات اجتماعية عميقة،
وكان المواطن ينتظر حضورًا سياسيًا أكثر قربًا،
وتعاطفًا يُترجم إلى أفعال،
لا إلى لحظات وجدانية متأخرة.
ابكِ إن شئت، فالبكاء حقّ إنساني،
لكن المسؤولية تقتضي أن تُذرف الدموع حين يتألّم الناس، لا حين تُغادَر المواقع،
وأن يُرافق الحزنَ قرارٌ شجاع،
ومحاسبة صريحة،
وإصلاح يرقى إلى حجم الخسائر.
لأن الدموع التي تستحق أن تُذرف حقًّا،
هي دموع من عاشوا المأساة كاملة،
ولا يزالون ينتظرون من الحكومة
أكثر من مشهد…
ينتظرون عدلًا، وإنصافًا، وقرارًا في مستوى الألم .

