بقلم: استاذ نشيط صلاح الدين محام بهيئة مراكش وعضو سابق بإتحاد المحامين الشباب بمراكش
في مشهد غير مسبوق ارتفعت بدلة المحاماة ترفرف في سماء العاصمة أمام البرلمان، ليس باعتبارها مجرد زي مهني بل كرسالة نبيلة ورمز واضح لكل محاولة لتقييد المحاماة أو إخضاعها للوصاية.
لقد كان ذلك المشهد إعلانًا صريحًا بأن مهنة الدفاع استعادت صوتها، وأن المحاماة المغربية قررت أن تقول كلمتها في لحظة مفصلية من تاريخها.
لم تكن وقفة الصمود حدثًا معزولًا بل تتويجًا لمسار طويل من النضال المهني، انتهى إلى وعي جماعي بأن مشروع قانون مهنة المحاماة لم يكن إصلاحًا حقيقيًا كما رُوِّج له بل محاولة لكسر استقلال الدفاع وتحويل المحاماة إلى وظيفة بلا روح، تُدار بالأوامر وتُفرغ من رسالتها الدستورية.
لقد حاولت بعض الأصوات بسوء نية أو بقراءة سطحية اختزال معركة المحامين في مطالب مادية أو امتيازات مزعومة غير أن الواقع الميداني دحض هذا الطرح.
فالمقاطعة الشاملة والانخراط الواسع والتوحّد المهني كلها مؤشرات قاطعة على أن المعركة أعمق من ذلك إنها معركة حول حق المواطن في دفاع حر ومستقل، وحول مستقبل العدالة والمحاماة في بلادنا.
المحاماة لم تكن يومًا مهنة تقنية محايدة بل كانت وستظل رسالة نبيلة أساسها الاستقلال وسلاحها الحصانة ودورها حماية المواطنين والدفاع عن الحقوق والحريات.
واستقلال المحامي ليس امتيازًا فئويًا بل ضمانة أساسية لأمن العدالة وتوازن أطراف الدعوى كما كرسه دستور 2011 والمواثيق الدولية.
إن مشروع القانون رقم 63.23 بدل أن يستجيب لحاجيات الإصلاح الحقيقي اتجه نحو توسيع منطق الوصاية وتعزيز تدخل السلطة التنفيذية في شؤون الدفاع في مساس خطير بمبدأ الفصل بين السلطات وبضمانات المحاكمة العادلة.
وهو ما جعل المحامين يقفون صفًا واحدًا إدراكًا منهم بأن المساس بالمحاماة هو مساس مباشر بحقوق المتقاضين قبل أن يكون مساسًا بالمهنة.
وفي هذه الوقفة لم يسقط المشروع فقط كنص قانوني بل سقط سياسيًا وأخلاقيًا لأن الدفاع الحر لا يمكن إخضاعه ولا يمكن تدجينه ولا يمكن تحويله إلى ملحق إداري تابع.
ولا يمكن في هذا السياق إلا التنويه بالمواقف المسؤولة التي أبدتها هيئة مكتب جمعية هيئات المحامين والتي رسّخت قناعة مفادها أن النضال المهني ليس ترفًا بل السبيل الوحيد للحفاظ على المكتسبات وحماية رسالة الدفاع من كل محاولات الإفراغ أو الالتفاف أو تقزيم دورها أو إخضاعها للوصاية.
لقد أثبتت وقفة الصمود أن المحاماة مستقلة ومحصنة ولها قوة اقتراح وأن الرهان على إنهاكها أو تفتيتها رهان خاسر.
فما جرى ليس معركة مصالح بل معركة كرامة وعدالة ووعي جماعي ضد الوصاية.
ولهذا كان الشعار واضحًا صريحًا لا لبس فيه:
لا لمشروع القانون 63.23
ولا عدالة بدون دفاع حر
ولا دفاع تحت أي وصاية
عاشت المحاماةحرة_مستقلة
عاشت رسالة الدفاع
ولا وصاية على المحاماة.

