بقلم خالد مصباح / اقليم الرحامنة
في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تعيشها العديد من الجماعات الترابية ببلدنا، يثير الحديث عن تحقيق فائض مالي ضخم تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية التخطيط الترابي ونجاعة الحكامة المحلية. فهل يمكن اعتبار هذا الفائض مؤشرًا على نجاح الجماعات في تدبير شؤونها المالية، أم أنه يعكس سوء تقدير في تخصيص الموارد وتلبية اوليات الساكنة والمجال الترابي؟
يعرّف الخبراء والمختصون الفائض المالي بأنه الفرق الإيجابي بين إيرادات الجماعة الترابية ونفقاتها خلال سنة مالية معينة، ويمكن أن يكون هذا الفائض نتيجة لعدة عوامل، من أهمها :
_ زيادة الإيرادات : أي تحصيل مداخيل إضافية، أو تنمية موارد قائمة، مما يساهم في تحقيق فائض مالي مهم.
_ انخفاض مستوى النفقات : الناتج عن سوء تخطيط وتقدير لحاجيات الساكنة والمجال، وهذا هو الغالب في نظرنا، بحكم المعرفة الدقيقة بواقع المجال القروي والإكراهات التي يعيشها على مستوى الاحتياجات الأساسية (ماء، كهرباء، مسالك قروية، خدمات اجتماعية، سكن لائق، مدارس مجهزة… إلخ).
وفي هذا الإطار يمكن إجمال الأسباب الرئيسية لتحقيق الفائض المالي فيما يلي:
زيادة الإيرادات : تعتبر تنمية الموارد من أهم مداخل تطوير التدبير الترابي، ويتم ذلك عبر تحسين تحصيل الضرائب المحلية أو استغلال الموارد الذاتية بشكل فعال.
_ تقليص النفقات : وهنا مكمن الخلل؛ حيث يرى الخبراء والمختصين أن تخفيض الإنفاق قد ينتج عن تقليص الخدمات الأساسية، أو تأجيل المشاريع المبرمجة، أو سوء تقدير للأولويات بسبب غياب “الإشراك” في التشخيص والتخطيط، وغياب الالتقائية مع باقي الفاعلين الترابيين الاخرين والسياسات العمومية ذات الصلة بتلك البراكج الترابية.
وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الجماعات الترابية لا تتوفر على موارد ذاتية قوية (أكرية، أسواق أسبوعية، مشاريع ذات دخل قار الخ…)، بل تعتمد بشكل أساسي على حصتها من الضريبة على القيمة المضافة التي تمنحها الدولة. ومن هنا فإن الفائض المالي “الحقيقي” هو الذي ينتج عن اجتهاد الجماعة في تنمية مواردها المحلية، مما ينعكس إيجابًا على استقرارها المالي ومؤشرات التنمية الترابية بها.
إن واقع معظم الجماعات الترابية بالمغرب (والتي يبلغ عددها 1503 جماعة فعلياً)، وخاصة الجماعات الترابية بالمجال القرويصعب للغاية، من حيث جودة الخدمات الاجتماعية وخدمات القرب التي تقدمها. لذا فإن الحديث عن “فائض مالي” في ظل هذا النقص الكبير هو كلام يفتقد للسند الواقعي؛ إذ غالبا ما يكون ناتجًا إما عن تعثر المساطر الإدارية اثناء تنجاز مشاريع معينة، أو غياب إعمال الاليات التشاركية للحوار والتشاور،من أجل مأسسة الديمقراطية التشاركية في التدبير الترابي، وهذا ما يؤدي أوتوماتيكيًا إلى تدهور الخدمات وعدم التفاعل مع حاجيات الساكنة واولوياتها، مما يعرّض المسؤولين الترابيين لانتقادات لاذعة من طرف المتتبعين والساكنة.
إن التباهي بالفائض المالي واعتباره دليلاً على الحكامة وترشيد النفقات، في ظل وجود خصاص حاد هو أمر غير واقعي، خاصة عندما تفتقر المناطق والمداشر والقرى إلى :
الصحة : نقص المرافق وتجهيزاتها وضعف الموارد البشرية.
التعليم: افتقار المؤسسات (خاصة الابتدائي منها ) للمرافق الضرورية كالمراحيض والأسوار والتجهيزات، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع.
النقل والمسالك : تهالك الطرق القروية وغياب شبكات للنقل، وضعف الولوجية.
الماء والكهرباء : ضعف التزود بهذه المادتين الحيويتين في العديد من التجمعات السكانية، وصعوبات كبيرة في الولوج الى الماء في بعض المناطق.
تقتضي الحكامة الرشيدة إعادة النظر في طرق اشتغال الجماعات الترابية باعتبارها الحلقة الأهم في هرم التنمية، ولهذا فإن تحقيق النجاعة الحقيقية، لخلق الاثر وتحقيق التحول الترابي المنشود يجب التركيز على :
التخطيط الترابي الاستراتيجي : عبر وضع خطط تنموية تشاركية مبنية على تشخيص واقعي يشرك المواطنين في اتخاذ القرار، بما في ذلك القرارات المالية.
الاستثمار في الخدمات الأساسية : تخصيص الموارد لتحسين جودة الخدمات العمومية وتيسير ولوج
المرتفقين إليها بشكل سهل وسلس
إن تحقيق الفائض المالي لا يجب أن يكون غاية في حد ذاته، بل يجب أن يكون ثمرة لتسيير عقلاني شفاف يستجيب للأولويات و لحاجيات الناس، ذلك أن استمرار الخصاص في الخدمات الأساسية يطرح تحديات عميقة أمام الجماعات الترابية، مما يستوجب معه الإسراع بإعادة النظر في السياسات المالية والبرامج التنموية على المستوى الترابي بشكل يراعي المساطر والدلائل الموضوعة لهذا الغرض.
الرئيسية آراء وأقلام تحقيق الفائض المالي بالجماعات الترابية : حكامة ترابية جيدة أم سوء تقدير في التخطيط؟
تحقيق الفائض المالي بالجماعات الترابية : حكامة ترابية جيدة أم سوء تقدير في التخطيط؟

كتبه Srifi كتب في 9 فبراير، 2026 - 9:33 صباحًا
مقالات ذات صلة
13 أبريل، 2026
انتخابات شتنبر 2026 بين رهان تفكيك الريع الانتخابي واستمرار إعادة إنتاج النخب
بقلم: عبد السلام اسريفي مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال مركزي: هل تشكل [...]
13 أبريل، 2026
بين لغة العاطفة ولغة الأرقام.. من يحمل “همّ” الوداد الحقيقي؟
يطالب البعض في الآونة الأخيرة برحيل هشام أيت منا، تحركهم غيرة صادقة على القميص وعاطفة تجاه الكيان لا يمكن التشكيك [...]
10 أبريل، 2026
العيادي بنبيݣة : المغرب أمام فرصة استراتيجية في عالم غير مستقر
العيادي بنبيݣة منذ فترة، عندما فاز المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بكأس العالم للفئة نفسها، كنت قد دافعت عن فكرة [...]
10 أبريل، 2026
Layadi benbiga : le Maroc face à une opportunité stratégique dans un monde instable
Il y a quelque temps, lorsque l’équipe nationale des moins de 20 ans du Maroc avait remporté la Coupe du [...]
