بقلم: عبد السلام اسريفي
حين يقرر رئيس دولة استعمال مصطلح “الدويلة” في توصيف غيره، فالمسألة لا تتعلق بزلة لسان ولا بحماسة خطابية عابرة، بل بعقلية كاملة ما زالت تعتقد أن العظمة تُقاس بالمساحة، وأن الشرعية تُستمد من الصوت العالي لا من جودة العيش.
لكن السياسة، مثل التاريخ، لا ترحم الشعارات عندما تصطدم بالوقائع.
فالـ“دويلة” التي يُراد التقليل من شأنها، نجحت في بناء نموذج اقتصادي يجعل الطابور استثناءً لا قاعدة، ويجعل المواطن يفكر في مشروعه المقبل لا في منفذ هروبه. دولة صغيرة في الخريطة، لكنها كبيرة في الفكرة، واضحة في الرؤية، دقيقة في التنفيذ، وتفهم أن الاستثمار الحقيقي هو الإنسان قبل الأرض.
في المقابل، هناك دول “ثقيلة الوزن” في الخطب، لكنها خفيفة في النتائج. دول تمتد على مساحات شاسعة، وتجلس على ثروات طبيعية هائلة، ومع ذلك تعجز عن تأمين أبسط ضروريات الحياة لمواطنيها. دول تتقن لغة البيانات النارية، لكنها تفشل في إدارة المطر، والحليب، والزيت، والنقل، والفرص، تمتهن الخبث وتفتقد للتاريخ، لذلك، تجدها دائما ترمي الآخرين بالحجارة وبيتها من زجاج يكشف طوابير يومية من أجل الحليب والخبز والزيت والكرامة..
الفرق هنا ليس في الموارد، بل في العقل السياسي.
ليس في عدد الكيلومترات، بل في كيفية تدبير المتر الواحد.
ليس في الشعارات السيادية، بل في السياسات العمومية.
الدولة التي تحترم مواطنيها لا تحتاج إلى إهانة غيرها لتشعر بالقوة.
والدولة الواثقة من نفسها لا تبني مجدها على تحقير الآخرين، بل على تحسين حياة شعبها.
المفارقة المؤلمة أن بعض الأنظمة ما زالت تعتقد أن رفع الصوت يعوّض غياب الإنجاز، وأن استدعاء “العدو الخارجي” يغطي على فشل داخلي مزمن. فتتحول السياسة إلى مسرح، والخطاب إلى ضجيج، والمواطن إلى متفرج في طابور طويل.
في زمن العولمة، لم يعد العالم يسأل: كم تبلغ مساحتك؟
بل يسأل:
– ماذا تنتج؟
– كيف يعيش شعبك؟
– أين يقف شبابك: في طابور الفرص أم طابور الهجرة؟
الخلاصة الواضحة:
ليست المشكلة في أن تكون دولة صغيرة،
المشكلة الحقيقية هي أن تكون دولة كبيرة… ولا تعرف كيف تُدار، ولا حتى كيف تقلد الآخرين ولا سرقة تراثهم وتاريخهم والاختباء وراء اسطوانة القوة والرجولة و(النييييف)


