ذ.طارق القاسمي، الكاتب العام للمجلس الجهوي لعدول إستئنافية سطات سابقا.
بعد إحالة مجلس النواب مشروع قانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة العدول على مجلس المنافسة لإبداء رأيه الاستشاري فيه خاصة أن قطاع الخدمات التوثيقية موضوع مهم مرتبط بالمرتفقين باعتبارهم مستهلكين ” للخدمات التوثيقية”، ومرتبط أيضا بمهن توثيقية باعتبارها مهن فاعلة اقتصاديا تتقاطع مع بعضها البعض في تقديم نفس الخدمة التوثيقية الا وهي ” توثيق العقار”، موضوع مهم لازال النقاش المؤسساتي والقانوني مفتوحا حوله، الا وهو مشروع قانون مهنة العدول، الذي تضمن مراجعة كلية لمقتضياته، والذي سُجلت عليه مجموعة من الانتقادات الواسعة في صفوف المهنيين وصلت إلى حد المطالبة بسحبه،وهناك عريضة وطنية مفتوحة وصل تجاوزت 2000 مهني، بسبب إسقاط الية الايداع من الصيغة الأولى للمشروع_ باعتبارها وسيلة من وسائل الاشتغال، التي بدونها يصعب كثيرا تحقيق الالتزام بنتيجة، الذي يطوق عنق العدل بنفس المشروع وهو تقييد العقد بالسجلات العقارية حسب المادة 63 من مشروع قانون العدول “،والذي سيضر بدون شك بحقوق المستهلك، فكيف يستقيم للمشرع أن يلزم العدل بتحقيق نتيجة تحت طائلة المسؤولية الجنائية والتأديبية والمدنية،ولا نمكنه من آليات العمل وعلى رأسها آلية الايداع؟؟؟
هذه الالية التي أسقطت من الصيغة الأولى للمشروع فجعلته معطوبا ومشوها في صيغته النهائية، لأن جميع متعلقات هذه الالية (القيود،الالتزامات،المسؤولية بشتى أنواعها، المراقبة والتفتيش…، الزامية التأمين على الأخطاء المهنية…،)تم الابقاء عليها ما عدا آلية الايداع التي تم اسقاطها_ لأسباب سياسية صرفةوالتي تشكل ضمانة للمرتفق، والمرفق العمومي بشكل عام حسب المادة 3 و 4 و5 وما بعدها من قانون 19.54 بمثابة ميثاق للمرافق العمومية. مما نتج عنه مشروعا غير متوازن بين الحقوق والواجبات والجزاء، سيؤثر حتما على قواعد المنافسة الحرة بين هذه المهن التوثيقية، كما سيكون مدخلا وتكرسا لاحتكار قطاع الخدمات. والملاحظ أن هذه الاحالة وإن كانت في تفعيلها تشكل ضمانة دستورية وتشريعية مهمة لجودة النص التشريعي، إلا أن الحكومة بأغلبيتها المريحة فضلت ركوب القطار الفائق السرعة، حيث صادقت عليه لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان وبسرعة فائقة بتاريخ 3 فبراير 2026، ولعل عدد ساعات الاشتغال على هذا المشروع منذ إحالته على مجلس النواب لأكبر دليل على هذه السرعة الفائقة ، رغم أن الاحالة الموجهة إلى مجلس المنافسة كان من المفروض على الحكومة إحترام الاجال القانونية للتوصل بهذا الرأي لتأطير النقاش والتعديلات حول هذا المشروع الذي يتضمن مراجعة جدرية لأحكامه( القانون الحالي يتضمن 86 مادة، المشروع يتضمن 203 مادة)،وإلا فإنه يفهم من هذه المصادقة الفائقة السرعة أن رأي مجلس المنافسة لا يعني الحكومة في شيء، وأنها إحالة شكلية لا اقل ولا أكثر، علما أن الاحالة من البرلمان هي إحالة مؤطرة بالقانون، وتعتبر ذات أهمية كبيرة للجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان والحريات من جهة، وللمواطن والمرتفقين من جهة ثانية، وذات أهمية كبيرة ايضا لمؤسسة التوثيق العدلي التي تتقاطع اختصاصاتها ومهامها مع جهات أخرى،المتمثلة في تقديم خدمات توثيقية إلى المرتفقين، بصريح نص القانون: المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية.
المادة 95 من مدونة التحصيل العمومية. المادة 155 من المدونة العامة للضرائب وغيرها من النصوص القانونية،
بالاضافة الى الالتزامات المنصوص عليها بالمشروع، مواد كثيرة مدرجة بنصوص خاصة تطوق العدل أيضا بالتزامات تترتب عنها مسؤولية تأديبية وجنائية ومدنية كما سبقت الاشارة تتعارض مع مجموعة من نصوص المشروع_ المادة 63 من المشروع على سبيل المثال لا الحصر _ تضرب مبدأ المنافسة المشروعة في العمق، نسوق بعض النصوص منها على سبيل المثال لا الحصر:
1/كيف أن القانون الجنائي (المادة 351 وما بعدها) يعترف للعدل برسمية العقد بمجرد توقيع الاطراف على العقد او الشهادة، وحدد له عقوبات جنائية، وفي المشروع يقصيه من حق إضفاء الرسمية على العقد المادة 46 من المشروع.؟
2/ كيف ان المشروع يلزمه بتحقيق بنتيجة، تقييد العقد بالسجلات العقارية المادة 63 من المشروع، ولا يخول له آلية الايداع لكي يتمكن من تحقيقة هذه النتيجة وهي التقييد؟
3/ كيف للمشروع يلزم العدل بالقيام باجراءات التسجيل واداء واجبات التسجيل بما فيها اداء واجب اضافي بنسبة 2% من جيوب المستهلكين عن توثيق المعاملات العقارية والتجارية إذا تجاوز ثمن التفويت 300.000 درهم،إذا لم يشر العقد إلى طرق الأداء المنصوص عليها في البند الثالث من المادة 133 من المدونة العامة للضرائب(قانون المالية 2026)، وفي نفس الوقت مشروع قانون العدول يقصي العدل من ” آلية الايداع ” (اسقاط الية الايداع من الفقرة الأخيرة من المادة 39 من المشروع)، التي ستمكنه من تجنب مخاطر تسلم البائع للثمن قبل تقييد العقد بالسجلات العقارية، فضلا عن توجيه إرادة المستهلكين إلى جهات أخرى تتوفر على ضمانات قانونية أقوى تحفظ معاملاتهم من المخاطر، وبأتعاب تفوق بكثير الأجرة المحددة للعدول رغم أننا أمام نفس المنتوج وهو المحرر الرسمي.
وهذا ما كشف عنه تقرير سابق لمجلس المنافسة ر/2019/3، الصادر في 29 دجنبر 2019، بخصوص مشروع مرسوم رقم 2.17.481 متعلق بتحديد أتعاب الموثقين وطرق استيفائها،والذي اوصى باعتماد صيغة المشروع وتعميمها على باقي المهن التي تتقاطع مع بعضها في إطار المساواة أمام نفس الفعل التنافسي.
ورغم شطط الحكومة واستقوائها بأغلبيتها والتي كان من المفروض ان تبادر بالاحالة على مجلس المنافسة أثناء إعداد المشروع وقبل المصادقة عليه، فإننا لازلنا نأمل في إنصاف مهنة التوثيق العدلي من طرف مجلس المنافسة باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والانصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها، والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، طبقا لاحكام الفصل 166 من دستور المملكة المغربية الشريفة والقوانين والتشريعات الجاري بها العمل في هذا الصدد.
مما سبق، رأي مجلس المنافسة لا تنتظره المؤسسة التشريعية لوحدها صاحبة الإحالة_ رغم مصادقة الغرفة الاولى_ بل يترقبه ايضا وباهتمام كبير الرأي العام الوطني، ومعه الرأي العام المهني،كما يترقبه المستهلك، الذي خصه المشرع الدستوري بحماية خاصة، لأنصافه من الممارسات المنافية لحرية المنافسة وعلى رأسها الاحتكار، والذي نعتقد أن ” آلية الايداع” هي آلية مرفقية عمومية مسخرة لخدمة المستهلكين وحماية أموال المرتفقين ومعاملاتهم المختلفة، وتحصين للاقتصاد الوطني من خلال محاربة “ظاهرة الكاش” ،والتهرب الضريبي، وغسيل الأموال…وغيرها من الظواهر السلبية التي تمس بالاقتصاد الوطني، كما تمس ايضا مبدأ المساواة أمام نفس الفعل التنافسي، وليس حكرا لجهة توثيقية دون الأخرى.
إلى حين خروج رأي مجلس المنافسة إلى الوجود، نأمل من الغرفة الثانية بمجلس المستشارين استحضار المصلحة الوطنية، وتدارك الاختلالات التمييزية المضمنة بهذا المشروع وعلى رأسها حرمان العدول من وسائل العمل والاشتغال على غرار باقي المهن المنافسة، احتراما لروح الدستور ولمبادئه الفضلى،وليس انتصارا لفئة مهنية معينة استغلت وضعها المهيمن في السوق ووجودها بالحكومة باعتبارها فاعلا اقتصاديا قويا، واستغلالها لميثاق الأغلبية الحكومية المريحة استغلالا تعسفيا على نحو يخل بالمنافسة، ويضر بالمستهلكين، ويقصي منافسين حاليين أو محتملين خدمة للمصلحة الخاصة.(إسقاط آلية الايداع نموذجا).
إضافة إلى الرأي الذي سيصدر عن مجلس المنافسة، نعتقد في هذا السياق،أن كل فاعل اقتصادي متضرر من وضع مهيمن( هيئة العدول مثلا)، ما عليه سوى تقديم شكاية لمجلس المنافسة معززة طبعا بالحجج التي تثبت الهيمنة والاستغلال التعسفي لها لمباشرة صلاحياته القانونية في هذا السياق.

