بقلم: الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
مقدمة
يشهد النظام الدولي تحولات غير مسبوقة، حيث تتقاطع ثلاثة أبعاد مركزية:
1. الصراعات الجيوسياسية التقليدية: روسيا–أوكرانيا، الشرق الأوسط، التوترات الأوروبية–الأمريكية، والتنافس حول المناطق الاستراتيجية الجديدة.
2. التحولات الاقتصادية العالمية: الأسواق والموارد أصبحت أدوات نفوذ سياسي واستراتيجي، وليست مجرد مجال نشاط اقتصادي.
3. الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي: أصبحا آليات حكم تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي، مغيرةً دور الإنسان من فاعل إلى متغير ضمن النظام الرقمي–السياسي.
تأتي هذه التحولات في وقت تظهر فيه الهيمنة الأمريكية واضحة، بينما تعاني أوروبا ضعفًا مؤسساتيًا واستراتيجيًا، وروسيا تتردد في الخطوات الكبرى، في حين تكتفي الصين بالتنديد والانتقاد دون تحدٍ مباشر للولايات المتحدة.
تأسيس مجلس السلام العالمي يعكس توجهًا عالميًا نحو حكامة فوق الدولة، حيث حتى القوى العظمى، بما فيها أمريكا، تصبح خاضعة لإدارة مؤسسية عالمية تهدف إلى إدارة الصراعات بدل حلها.
السؤال المركزي:
هل هذه التحولات تمثل إعادة تشكّل استراتيجي للنظام الدولي، أم انهيارًا تدريجيًا للأسس التقليدية؟
أولًا: مظاهر التحولات البنيوية العالمية
- تفكك النظام الدولي الكلاسيكي
• القوة أصبحت شبكية وغير مركزية: دول كبرى، شركات عابرة للقوميات، النخب الدولية، مؤسسات عالمية مثل دافوس ومجلس السلام العالمي.
• السيطرة لم تعد حكراً على الدولة القومية، حتى الولايات المتحدة لم تعد متفرّدة بالقرار. - صعود صراعات متعددة الأبعاد
• العسكري التقليدي: روسيا–أوكرانيا.
• الاقتصادي والسياسي: العقوبات، التحكم بالموارد، الأسواق المالية، والسيادة الرقمية.
• السيطرة التقنية: AI كأداة حاكمة للقرار السياسي.
• الفضاء الرمزي والقيمي: مؤسسات مثل مجلس السلام العالمي تدير النزاعات على المستوى الاستراتيجي بعيدًا عن الدول. - الاقتصاد السياسي كأداة سلطة
• الأسواق العالمية لم تعد حيادية، بل أداة للسيطرة الاستراتيجية.
• القوة الاقتصادية مرتبطة بالقدرة التكنولوجية والسيطرة على البيانات.
ثانيًا: أسباب الشقاق العالمي
1. أزمة شرعية النظام الليبرالي الدولي: المؤسسات الدولية لم تعد منتجة للشرعية السياسية.
2. صعود القوى الموازية: روسيا، الصين، إيران، وغيرهم يسعون لإعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية، وليس مجرد الانضمام للنظام القائم.
3. الفراغ القيمي: التكنولوجيا تسبق القيم الأخلاقية والسياسية، ما يجعل إدارة الصراعات تقنية أكثر من كونها سياسية.
ثالثًا: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
• AI يتحكم في القرار السياسي، الأمن، الاقتصاد، ويدير المعلومات والمجتمعات الرقمية.
• المواطن/الإنسان أصبح متغيرًا داخليًا في النظام الرقمي–السياسي.
• الأسواق تتحرك وفق خوارزميات متقدمة وليس وفق العرض والطلب التقليدي.
رابعًا: تحليل القوى الكبرى والحكامة العالمية
• الولايات المتحدة: قوة عسكرية واقتصادية كبيرة، لكنها ليست مطلقة بعد ظهور الهيمنة الرقمية والشبكاتية.
• أوروبا: ضعف مؤسساتي واستراتيجي، غير قادرة على صناعة القرار بشكل مستقل.
• روسيا: تردد في الخطوات الكبرى، الاعتماد على استراتيجيات احتواء أكثر من مواجهة مباشرة.
• الصين: سياسة الحذر؛ التنديد والانتقاد فقط دون مواجهة مباشرة، ما يعكس إدراكها للتحولات فوق الوطنية.
• مجلس السلام العالمي: مؤشر على انتقال السلطة العالمية من الدولة إلى شبكات الحكامة، حتى القوى العظمى لم تعد مركز القرار.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية .
الاتجاه المتوقع: نظام جديد فوق الدول يدير الصراعات ويحل النزاعات ويعيد هيكلة الموسسات الدولية بما يخدم النظام الجديد ، ينبني على التقنية والذكاء الاصطناعي .
سادسًا: الإنسان والهوية
• الإنسان أصبح متغيرًا في النظام الرقمي–السياسي العالمي.
• الهوية والخصوصية مهددة من الأسواق، المنصات، والمؤسسات العالمية.
• الحفاظ على الفاعلية الإنسانية والسيادة المعرفية يعد محورياً لمستقبل النظام الدولي.
خاتمة استراتيجية
• النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية حرجة، والصراع ليس فقط على الموارد أو النفوذ، بل على تعريف النظام نفسه وموقع الإنسان داخله.
• مجلس السلام العالمي يرمز إلى حكم فوق الدولة، يفرض إدارة النزاعات بعيدًا عن السيادة التقليدية.
• المستقبل يعتمد على قدرة الفاعلين على: دمج السياسة بالتكنولوجيا والقيم الأخلاقية، حماية السيادة، واستعادة مكانة الإنسان كمركز للنظام، لا مجرد تابع.
السؤال الاستراتيجي: هل سيُعاد بناء النظام الدولي حول الإنسان، أم سيُعاد تشكيل الإنسان ليتلاءم مع النظام؟

