الرئيسية أخبار وطنية ميناء الناظور غرب المتوسط فرصة لا تتكرر: إقليم الناظور في امتحان التحول التاريخي وصناعة موقعه في المتوسط الجديد

ميناء الناظور غرب المتوسط فرصة لا تتكرر: إقليم الناظور في امتحان التحول التاريخي وصناعة موقعه في المتوسط الجديد

IMG 9350
كتبه كتب في 16 فبراير، 2026 - 3:22 مساءً

صوت العدالة :الدكتور عماد أبركان

كيف يمكن تحويل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط إلى لحظة تاريخية جامعة تُعبّئ طاقات الساكنة وتستنهض يقظة المؤسسات، بما يجعله رافعة فعلية لنهضة اقتصادية واجتماعية مستدامة، تؤسس لتموقع متقدم لإقليم الناظور داخل الفضاء المتوسطي وتُكرّس نموذجاً تنموياً قائماً على الشراكة والمسؤولية المشتركة؟
يشكّل الحديث عن فرص التنمية بإقليم الناظور في أفق نجاح ميناء الناظور غرب المتوسط مدخلاً استراتيجياً لفهم التحولات العميقة التي يعرفها المجال الترابي بشرق المملكة المغربية، في سياق إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الوطنية وفق منطق الأقطاب التنافسية والواجهات البحرية الكبرى. فالميناء الجديد لا يُختزل في كونه بنية تحتية لوجستيكية إضافية، بل يمثل رافعة لإعادة تموقع الإقليم داخل سلاسل القيمة العالمية، ونقطة ارتكاز لإعادة هيكلة النسيج الإنتاجي، ومختبراً لتحولات الدولة في مجال التخطيط الترابي، والذكاء المجالي، والحكامة متعددة المستويات. ومن ثم فإن الرهان لا يتعلق فقط بإنجاز منشأة مادية، وإنما ببناء نموذج تنموي ترابي قادر على تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، والرصيد البشري إلى طاقة إنتاجية، والامتداد البحري إلى منصة للاندماج في الاقتصاد العالمي.
يندرج المشروع ضمن رؤية وطنية أوسع لتكريس تموقع المغرب كمنصة لوجستيكية عابرة للقارات، مستفيدة من موقعه عند ملتقى الطرق البحرية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا. وإذا كان ميناء ميناء طنجة المتوسط قد أسس لنموذج ناجح في هذا المجال، فإن ميناء الناظور غرب المتوسط يُنتظر أن يعمّق هذا التوجه عبر خلق توازن مجالي في توزيع الاستثمارات الكبرى، وتخفيف الضغط عن الممرات البحرية الشمالية، وتثمين الواجهة المتوسطية الشرقية التي ظلت لعقود تعاني من هشاشة البنيات الاقتصادية وضعف الاندماج الصناعي. غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهيناً بمدى القدرة على بناء منظومة متكاملة تتجاوز الميناء كمجرد فضاء للشحن والتفريغ، لتؤسس لمنطقة صناعية ولوجستيكية متقدمة، قائمة على التكامل بين البنيات التحتية الصلبة والبنيات المؤسساتية والرقمية والتمويلية.
إن أولى فرص التنمية التي يتيحها المشروع تتجلى في إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي عبر الانتقال من اقتصاد قائم على التحويلات المالية والأنشطة التجارية الصغيرة إلى اقتصاد إنتاجي مهيكل ومندمج في سلاسل القيمة الدولية. فالميناء، بما يوفره من قدرات في مجال الحاويات والطاقة والمنتجات الصناعية، يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات في الصناعات التحويلية، وصناعة السيارات ومكوناتها، والصناعات الغذائية، والصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة. كما يخلق إمكانات لتطوير اقتصاد البحر، بما يشمله من أنشطة الصيد البحري، وتثمين المنتجات البحرية، والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين والتأمين البحري. غير أن هذا التحول يقتضي تجاوز منطق “الاقتصاد الجُزُري” الذي يربط الميناء بالخارج دون ربطه بعمقه الترابي، نحو منطق “التكامل المجالي” الذي يجعل من الإقليم فضاءً حاضناً لسلاسل الإنتاج، لا مجرد نقطة عبور للسلع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير الرأسمال البشري باعتباره شرطاً حاسماً لنجاح أي مشروع مهيكل. فالتنمية المينائية المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على اليد العاملة غير المؤهلة، بل تقوم على الكفاءات التقنية والمهارات الرقمية وإدارة سلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي التطبيقي في اللوجستيك. ومن ثم فإن الاستثمار في التكوين المهني المتخصص، وربط الجامعات ومؤسسات البحث العلمي بحاجيات المنطقة الصناعية، يمثلان رافعة لتحويل المشروع إلى قطب للابتكار الصناعي، لا مجرد منصة للتجميع. كما أن تعزيز قابلية التشغيل لدى الشباب المحلي يساهم في تحقيق العدالة المجالية، ويحد من الهجرة القسرية، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أساس تعاقد تنموي جديد.
ولا يمكن إغفال البعد الجيو-اقتصادي للمشروع، إذ إن تموقع الناظور على مقربة من أوروبا يمنحها ميزة تنافسية في سياق التحولات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع بروز مفهوم “إعادة التموقع القريب” الذي يدفع الشركات إلى تقليص المسافات بين مواقع الإنتاج والأسواق الاستهلاكية. وفي ظل هذه الدينامية، يمكن لإقليم الناظور أن يتحول إلى منصة صناعية موجهة نحو التصدير، مستفيدة من اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بعدد من التكتلات الاقتصادية. غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تقتضي تعزيز البنية التحتية الطرقية والسككية، وضمان انسيابية الربط بين الميناء وباقي جهات المملكة، حتى لا يتحول المشروع إلى جزيرة اقتصادية معزولة.
كما يطرح نجاح الميناء تحديات بيئية ومجالية تستدعي تبني مقاربة تنموية مستدامة، قائمة على التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على النظم الإيكولوجية الساحلية. فالتوسع الصناعي قد يهدد الموارد الطبيعية إذا لم يُؤطر بضوابط صارمة في مجال الحكامة البيئية، والاقتصاد الدائري، وتقنيات الإنتاج النظيف. ومن هنا تبرز ضرورة إدماج المعايير البيئية في التخطيط الصناعي، واعتماد آليات تقييم الأثر البيئي بشكل شفاف وتشاركي، بما يعزز شرعية المشروع مجتمعياً ويحول دون نشوء توترات اجتماعية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يتيح المشروع إمكانية إعادة تشكيل المجال الحضري للناظور عبر تطوير خدمات السكن والنقل والصحة والتعليم، بما يواكب التحول الديمغرافي المتوقع نتيجة استقطاب اليد العاملة والاستثمارات. غير أن هذا التحول يتطلب رؤية عمرانية مندمجة تمنع نشوء أحياء هامشية جديدة، وتعتمد مبادئ المدينة الذكية والتخطيط الاستباقي. فالتجارب الدولية تبين أن المشاريع المينائية الكبرى قد تخلق اختلالات اجتماعية إذا لم تقرن بنموذج إدماج اجتماعي يضمن توزيعاً عادلاً لعوائد التنمية.
ويظل البعد المؤسساتي عاملاً حاسماً في تحويل الإمكانات إلى منجزات. فالتنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان الأمن القانوني للاستثمار، تشكل عناصر مركزية في جذب الرساميل الوطنية والأجنبية. كما أن اعتماد حكامة ترابية قائمة على الشفافية والمساءلة يعزز الثقة ويقلص من مخاطر الريع والاحتكار. ومن ثم فإن نجاح ميناء الناظور غرب المتوسط لا ينفصل عن إصلاحات أوسع تمس مناخ الأعمال، والعدالة المجالية، واللامركزية الفعلية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق أرقام قياسية في مناولة الحاويات أو جذب استثمارات ظرفية، بل في إرساء دينامية تنموية مستدامة تُعيد تعريف موقع الناظور داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية والمتوسطية. فالميناء يمكن أن يكون أداة لإعادة التوازن المجالي، ومختبراً لتجديد السياسات العمومية، ومنصة لتكريس اقتصاد منتج قائم على المعرفة والابتكار. غير أن ذلك يظل مشروطاً بإرادة سياسية متواصلة، وبرؤية استراتيجية مندمجة، وبانخراط فعلي للفاعلين المحليين في بلورة وتنفيذ المشروع.
إن فرص التنمية بإقليم الناظور في أفق نجاح ميناء الناظور غرب المتوسط واعدة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين الاقتصادي والاجتماعي والمجالي والبيئي. غير أن تحويل هذه الفرص إلى واقع ملموس يتطلب الانتقال من منطق الاحتفاء بالمشروع إلى منطق استثماره، ومن الرهان على البنية التحتية إلى الرهان على الإنسان، ومن المقاربة القطاعية إلى الرؤية الترابية المندمجة. بذلك فقط يمكن أن يتحول الميناء من مجرد منشأة بحرية إلى قاطرة فعلية للتنمية المستدامة، ومن حلم استثماري إلى مشروع مجتمعي يعيد صياغة أفق الناظور ويمنحها موقعاً متقدماً في المتوسط المتحول.
وفي امتداد هذا الأفق التحليلي، يتعين توسيع النظر إلى المشروع باعتباره محفزاً لإعادة تركيب البنية المجالية على مستوى الجهة الشرقية برمتها، وليس فقط على مستوى إقليم الناظور. فنجاح ميناء الناظور غرب المتوسط يمكن أن يشكل نقطة انعطاف في مسار الانتقال من تنمية محلية محدودة الأثر إلى تنمية جهوية شبكية قائمة على الترابط الوظيفي بين المراكز الحضرية والفضاءات القروية، وبين الساحل والداخل. إن الرهان هنا يتمثل في بناء ما يمكن تسميته بـ«المنظومة المينائية الممتدة»، حيث لا يظل النشاط الاقتصادي محصوراً في المجال الساحلي، بل يتوزع عبر ممرات لوجستيكية ذكية تصل إلى مناطق الإنتاج الفلاحي والمعدني والسياحي، بما يعزز التكامل القطاعي ويحد من التفاوتات المجالية داخل الجهة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إدماج المشروع ضمن مقاربة «العناقيد الصناعية» التي تقوم على تجميع المقاولات الصغيرة والمتوسطة حول سلاسل إنتاج متكاملة، بدل الاكتفاء باستقطاب استثمارات معزولة. فإقليم الناظور يمتلك مؤهلات في مجالات الفلاحة المتوسطية، والصيد البحري، وبعض الأنشطة التحويلية التقليدية، غير أن هذه القطاعات ظلت تشتغل بمنطق مجزأ وضعيف القيمة المضافة. ومن ثم فإن نجاح الميناء يقتضي تحفيز دينامية المقاولة المحلية، وإدماجها في سلاسل الإمداد الكبرى، وتيسير ولوجها إلى التمويل والرقمنة والتأطير التقني، حتى تتحول من فاعل هامشي إلى شريك فعلي في المنظومة الاقتصادية الجديدة. فالتنمية المينائية الحديثة لا تقاس فقط بحجم الرساميل الأجنبية المستقطبة، بل بمدى قدرتها على توليد أثر مضاعف داخل النسيج المقاولاتي المحلي.
كما أن التحول الرقمي يمثل ركيزة أساسية في بناء تنافسية مستدامة للمجال الترابي. فالموانئ الذكية اليوم تعتمد على أنظمة تدبير رقمية متقدمة، وسلاسل إمداد مؤتمتة، ومنصات بيانات آنية تتيح تتبع العمليات في الزمن الحقيقي. وإدماج الناظور في هذا المسار يقتضي تطوير بنية تحتية رقمية عالية الأداء، وتعزيز ثقافة الابتكار المفتوح، وتشجيع الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا اللوجستيكية والتجارة الإلكترونية والخدمات البحرية الرقمية. إن الحديث عن ميناء تنافسي في السياق العالمي الراهن لا يمكن فصله عن اقتصاد البيانات، ولا عن القدرة على استثمار الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية في تحسين النجاعة وتقليص الكلفة الزمنية للعمليات.
ومن زاوية أخرى، يطرح المشروع سؤال العدالة المجالية في توزيع العوائد التنموية. فالتجارب المقارنة تُظهر أن المشاريع الكبرى قد تُنتج فجوات داخلية إذا لم تُرفق بسياسات إعادة توزيع واستثمار اجتماعي موجه. ومن ثم فإن استباق الآثار الاجتماعية للتحول الاقتصادي يقتضي اعتماد مقاربة إدماجية تضمن استفادة الساكنة المحلية من فرص الشغل والتكوين، وتمنع تشكل اقتصاد موازٍ يستحوذ على المنافع دون إسهام فعلي في التنمية. كما يتعين تعزيز آليات المشاركة المواطنة في تتبع السياسات المرتبطة بالمشروع، بما يعمق الشفافية ويقوي الإحساس بالملكية الجماعية للمبادرة.
ولا يقل البعد الثقافي والهوياتي أهمية عن الأبعاد الاقتصادية. فالناظور، بما تحمله من خصوصية ثقافية وتاريخية ضمن المجال الريفي، يمكن أن تستثمر هذا الرصيد في بناء صورة ترابية جذابة، قائمة على التعدد والانفتاح والتفاعل مع الفضاء المتوسطي. إن نجاح المشاريع الكبرى لا يرتبط فقط بالبنية الصلبة، بل أيضاً بـ«القوة الرمزية» للمجال، أي بقدرته على تسويق ذاته كفضاء للعيش والاستثمار والابتكار. ومن هنا تبرز أهمية تطوير دبلوماسية ترابية نشطة، تستثمر موقع الإقليم في علاقاته مع الضفة الشمالية للمتوسط، وتعزز شراكاته مع المدن والمناطق الأوروبية ذات الطابع الصناعي واللوجستيكي.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن للمشروع أن يسهم في إعادة صياغة موقع الجهة الشرقية داخل التوازنات الوطنية، عبر تقليص التمركز التقليدي للاستثمارات في المحور الأطلسي. غير أن هذا التحول يتطلب يقظة في تدبير المخاطر المرتبطة بالتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، خاصة في ظل هشاشة سلاسل التوريد الدولية وتنامي النزعات الحمائية. ومن ثم فإن تنويع الشركاء الاقتصاديين، وتعزيز المرونة الإنتاجية، واعتماد مقاربة استباقية في إدارة الأزمات، تشكل عناصر حاسمة في تحصين المشروع من الصدمات الخارجية.
إن التحليل العميق لفرص التنمية بإقليم الناظور في أفق نجاح ميناء الناظور غرب المتوسط يقود إلى قناعة مفادها أن المشروع يمثل لحظة مفصلية في التاريخ الاقتصادي للمنطقة، لكنه في الآن ذاته اختبار لقدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق الإنجاز المادي إلى منطق التحول البنيوي. فالميناء، مهما بلغت أهميته، يظل أداة ضمن منظومة أوسع؛ وإذا لم تُصاحب هذه الأداة بإصلاحات مؤسساتية، واستثمار في المعرفة، ورؤية ترابية مندمجة، فقد يتحول إلى فرصة مهدورة. أما إذا أُحسن توظيفه ضمن تعاقد تنموي واضح المعالم، فإنه قادر على إحداث قفزة نوعية تنقل الإقليم من هامش الجغرافيا الاقتصادية إلى قلبها، وتعيد رسم معالمه كقطب متوسطي صاعد، يجمع بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية في أفق تنموي متوازن ومتجدد.

مشاركة