حسن عبايد / مكتب مراكش
في سياق يتزايد فيه النقاش العمومي حول ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة، تثير وثيقة مشروع ميزانية التسيير لسنة 2026 الخاصة بـ مجموعة الجماعات شيشاوة البيئة جملة من التساؤلات المشروعة حول منطق التدبير وجدوى استمرار تخصيص اعتمادات مالية لبنية مؤسساتية لم تُترجم، منذ إحداثها سنة 2021، أهدافها المعلنة إلى واقع ملموس. فهذه المجموعة أُسست أساسًا من أجل إحداث مطرح إقليمي مراقب يستجيب للمعايير البيئية والصحية المعترف بها وطنيًا، باعتباره حلًا بنيويًا لمعضلة تدبير النفايات بالإقليم، غير أن هذا الهدف ظل، لحدود الساعة، حبيس الوثائق والنوايا، دون أن يُسجل أي تقدم فعلي، ولو بخطوة واحدة، في اتجاه تنزيله على أرض الواقع.
المعطيات الواردة في مشروع الميزانية تكشف عن مداخيل للتسيير تبلغ حوالي 935 ألف درهم، مقابل مصاريف محددة في حدود 515 ألف درهم، وهو ما يفرز فائضًا تقديريًا يقارب 420 ألف درهم. ورغم أن هذا الفائض قد يُقرأ إيجابيًا من زاوية محاسباتية ضيقة، إلا أنه في هذه الحالة يعكس في العمق غياب مشاريع وبرامج قابلة للتنفيذ، ويؤشر على مؤسسة غير قادرة، أو غير راغبة، في تفعيل الاعتمادات المالية في اتجاه الهدف الذي أُنشئت من أجله.
وتزداد المفارقة وضوحًا حين نعلم أن مجموعة الجماعات شيشاوة البيئة لا تتوفر، بحسب المعطيات المتداولة، على مقر إداري فعلي، ولا على موارد بشرية قارة، ولا على تجهيزات أو أدوات اشتغال مرتبطة بمشروع المطرح الإقليمي، ومع ذلك تتضمن ميزانيتها بنودًا تتعلق بمصاريف التنقل داخل المملكة، واقتناء الوقود والزيوت، وكراء وسائل النقل والآليات، إضافة إلى مصاريف الاستقبال والاتصال. وهي نفقات ترتبط عادة بمؤسسات تمارس مهام ميدانية منتظمة أو تشرف على أوراش وبرامج قائمة، لا بهيئات لم تتجاوز بعد مرحلة الوجود الشكلي.
ويتعزز هذا الإحساس بضعف الانسجام بين الميزانية والواقع مع تداول معطيات تفيد بإقدام رئيس المجموعة على اقتناء سيارة جديدة، في وقت لم يُسجل فيه أي تقدم في ملف إحداث المطرح الإقليمي، الذي يشكل جوهر وجود هذه المؤسسة ومبرر تأسيسها. فاقتناء وسائل تنقل يفترض أن يكون مرتبطًا بحاجيات موضوعية تفرضها طبيعة العمل وحجم التنقلات المرتبطة بتتبع المشاريع والأوراش، وهو ما لا يبدو متوفرًا في ظل غياب أي مشروع ميداني أو برنامج تنفيذي، الأمر الذي يجعل هذا القرار محل تساؤل مشروع حول ترتيب الأولويات ومعايير اتخاذ القرار المالي.
ومن خلال مقارنة بسيطة لبنية هذه الميزانية مع ميزانيات سنوات سابقة، يلاحظ تشابه شبه تام في الأرقام والبنود، ما يوحي باستمرار العمل بمنطق الترحيل الآلي للاعتمادات، بدل اعتماد مقاربة تخطيطية تستند إلى تقييم موضوعي للحصيلة، وتشخيص دقيق للتعثرات، ووضع برنامج زمني واضح لإخراج مشروع المطرح الإقليمي إلى حيز الوجود. وهو ما يتعارض مع التحولات التي يعرفها التدبير العمومي، حيث لم تعد الميزانية مجرد وثيقة تقنية، بل أداة استراتيجية لربط الموارد بالأهداف والنتائج.
إن استمرار مجموعة الجماعات شيشاوة البيئة في صرف ميزانيات سنوية “على الورق”، دون أثر بيئي أو صحي ملموس، يطرح إشكالًا يتجاوز هذه المؤسسة بعينها، ليصل إلى جوهر النقاش حول نجاعة إحداث مثل هذه البنيات ومدى احترامها للأدوار التي أُسندت إليها. فالإقليم ما زال يفتقر إلى مطرح إقليمي مراقب يستجيب للمعايير المعتمدة، في وقت تُصرف فيه اعتمادات عمومية على تسيير هيكل لم ينجح بعد في ترجمة سبب وجوده إلى إنجاز فعلي.
إن إثارة هذه الأسئلة لا تنطلق من منطق الاتهام أو التشكيك، بقدر ما تعكس حرصًا على ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المال العام بالأثر والنتائج. فمشروع المطرح الإقليمي ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة بيئية وصحية ملحة، وتأخر إخراجه إلى حيز التنفيذ، مقابل استمرار الإنفاق على مؤسسة بلا أثر، يجعل من المشروع نفسه عنوانًا لإشكال أعمق في تدبير الأولويات العمومية، ويستدعي وقفة تقييم جادة ومسؤولة تضع المصلحة العامة

