بقلم: إيمان الفناسي
في الوقت الذي تُصرف فيه الملايير على الملاعب والتظاهرات الرياضية وصناعة الفرجة، يتسلل خطر آخر بصمت إلى أجساد المغاربة، خطر لا يثير ضجيج المدرجات لكنه يفتك يومياً بآلاف الأسر: السكري، السرطان، أمراض الكبد والجهاز الهضمي.
الأرقام لم تعد مجرد معطيات صحية باردة، بل إنذار حقيقي لدولة بأكملها.
أكثر من 2.7 مليون مغربي مصابون بالسكري، مئات الآلاف يعانون من التهابات الكبد المزمنة، وعشرات الآلاف يدخلون سنوياً دائرة السرطان، فيما تتحول أمراض الجهاز الهضمي إلى وباء صامت مرتبط مباشرة بما يأكله المغاربة يومياً.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم عدد المرضى، بل:
كيف تحولت المائدة المغربية إلى مصدر تهديد للصحة العامة؟
غذاء يقتل ببطء
لم يعد الأمر يتعلق بحالات فردية أو بعوامل وراثية فقط، بل بنمط غذائي كامل يُنتج المرض بشكل جماعي.
المغاربة يستهلكون كميات مهولة من:
السكر،
الزيوت الرديئة،
المواد الحافظة،
المشروبات الغازية،
الدقيق الأبيض،
والمنتجات الصناعية المشبعة بالملح والدهون.
في المقابل، يتراجع استهلاك الغذاء الطبيعي والخضر والفواكه ذات الجودة، بينما تغزو الأسواق منتجات مجهولة التركيب، بعضها أخطر من أن يوضع على موائد البشر.
أطفال اليوم يكبرون وسط ثقافة غذائية قائمة على “السناك” والمشروبات السكرية، في بيئة تشجع الاستهلاك وتقتل الوعي الصحي منذ السنوات الأولى.
والنتيجة واضحة:
ارتفاع مهول في السمنة،
انتشار السكري بين الشباب،
ارتفاع سرطان القولون والمعدة،
تفشي أمراض الكبد الدهنية حتى لدى الأطفال.
المبيدات… الخطر الذي يدخل عبر الخضر والفواكه
الخطر لا يتوقف عند المنتجات الصناعية فقط، بل يمتد إلى جزء من القطاع الفلاحي نفسه.
فالمبيدات والأسمدة الكيميائية تُستخدم أحياناً بشكل عشوائي ودون مراقبة صارمة، ما يجعل بعض الخضر والفواكه محملة ببقايا مواد سامة قد تتراكم داخل الجسم لسنوات قبل أن تتحول إلى سرطان أو فشل كبدي أو اضطرابات هضمية مزمنة.
إن الأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الطعام، بل سلامته أيضاً.
وما جدوى وفرة الأسواق إذا كانت بعض المنتجات تتحول تدريجياً إلى تهديد صحي جماعي؟
تكلفة المرض أخطر من تكلفة الوقاية
الدولة قد تربح صورة إعلامية من تنظيم بطولة أو بناء ملعب، لكنها ستخسر مستقبلاً مليارات الدراهم في علاج الأمراض المزمنة إذا استمر الوضع على حاله.
مرضى السكري وحدهم يستهلكون جزءاً ضخماً من ميزانية الصحة:
أدوية،
تصفية الكلي،
عمليات البتر،
أمراض القلب،
فقدان القدرة على العمل.
أما السرطان، فقد أصبح كابوساً اقتصادياً واجتماعياً يبتلع الأسر الفقيرة قبل أجساد المرضى.
الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الإسمنت والمدرجات، بل في حماية صحة المواطن، لأن الإنسان المريض لا يبني اقتصاداً ولا يصنع تنمية.
هل أصبحت الفرجة أهم من صحة المغاربة؟
لا أحد يعارض الرياضة أو كرة القدم، لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول الأولويات بشكل يجعل المواطن يسمع يومياً عن الملاعب أكثر مما يسمع عن:
جودة الغذاء،
مراقبة المبيدات،
محاربة السكر الصناعي،
حماية الأطفال من التسمم الغذائي،
أو الكشف المبكر عن السرطان.
الدول القوية لا تُقاس فقط بعدد ملاعبها، بل أيضاً بعدد السنوات الصحية التي يعيشها مواطنوها.
ما قيمة الفوز بكأس أو تنظيم بطولة إذا كانت ملايين الأجساد تُهزم يومياً أمام أمراض كان يمكن الوقاية منها؟
المطلوب اليوم
المغرب يحتاج إلى سياسة صحية وغذائية صارمة، لا إلى حملات موسمية عابرة.
نحتاج إلى:
مراقبة حقيقية للمبيدات والمواد الغذائية،
فرض ضرائب على المنتجات عالية السكر،
منع بعض المواد الخطيرة من الأسواق،
دعم الغذاء الصحي،
تعميم التوعية الغذائية داخل المدارس،
وتشديد العقوبات على الغش الغذائي.
كما يجب التعامل مع الأمن الصحي باعتباره قضية سيادة وطنية، لا ملفاً ثانوياً.
فالدولة التي لا تحمي غذاء شعبها، تترك مستقبلها كله تحت رحمة المرض.
واليوم، ربما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً في المغرب ليس:
كم سنبني من ملعب؟
بل: كم مغربياً سننقذ من المرض قبل فوات الأوان؟

