بقلم : أمين شطيبة
حين يصبح المغرب قصة تُحكى بعيون الخارج
في زمن المنصّات الرقمية العابرة للحدود، لم يعد المغرب مجرّد فضاء جغرافي وسياحي، بل تحوّل إلى حكاية مرئية يرويها صناع محتوى عرب وأفارقة وجدوا في مدنه وأسواقه وتراثه ودفء علاقاته الإنسانية مادة الإلهام والدهشة، حيث حصد “المؤثرين العرب والأفارقة ” ملايين المشاهدات وتعليقات الإعجاب وتفاعل جماهيري واسع داخل المغرب وخارجه مما يدل على مؤشرات نجاح هذا الحضور الرقمي الخارجي الذي أعطى قيمة للمملكة وأعاد تقديم الهوية المغربية للعالم بوجه مشرق وإنساني.
ولكن خلف هذا البريق، تبرز مفارقة لافتة وهي أن المغرب يُروى بصوت الآخرين، ويفتقد في كثير من الأحيان خصوصا الحدث القاري كأس أفريقيا إلى صوت أبنائه داخل الفضاء الرقمي نفسه ما يسمون أنفسهم “مؤثرين”، رغم ما يتوفر لهم من تسهيلات إمتيازات ودعم لوجستي يفترض أن يجعلهم في قلب المشهد.
تألق رقمي عربي وإفريقي… حين يصبح التراث مادة جمالية عالمية
جاء صناع المحتوى الوافدون إلى المغرب بعين فضولية وروح استكشافية، تحرّكوا بين المدن العتيقة، الأسواق الشعبية، المآثر التاريخية، الأكل التقليدي، والطقوس الاجتماعية اليومية، اشتغلوا على الزاوية الإنسانية قبل السياحية، وعلى الحكي البصري قبل التوثيق الجاف مما أسهم هؤلاء المؤثرون في تحقيق إشعاع رقمي واسع بالملايين خلال تظاهرة “كان المغرب”، حيث قدّموا محتوى مكثفًا حول الهوية المغربية والثقافة الوطنية وكرم الضيافة، إلى جانب إبراز المعالم التاريخية والسياحية، والجانب التقليدي المرتبط بـالمأكولات واللباس والطقوس الاجتماعية، ما أظهر الصورة الحقيقية للمغرب كفضاء غني بالتنوع والجمال الإنساني والحضاري.
من الأمثلة الحية لقطة لطفل يبتسم في درب قديم مع مؤثر سعودي بعد أن وجهه نحوى طريق الملعب، وكذا الحوار العفوي لمؤثرين من مصر مع حرفي داخل سوق تقليدي بمراكش وأكادير، ومشهد لعائلة تتقاسم طبق كسكس يوم الجمعة مع مؤثر من دول الخليج ومشهد انبهار مؤثرين بدار الدباغ بفاس وتجول بالمدينة القديمة للعاصمة العلمية، والأكثر أن المؤثرين العرب أول من كشفوا عن مطاعم عبارة عن طائرات بأكادير وشرح تفاصيل دقيقة عنها، هذه التفاصيل البسيطة تحوّلت، عبر عدساتهم، إلى لغة عالمية مشتركة جعلت ملايين المتابعين يكتشفون المغرب كفضاء للروح والحكاية والجمال وسحر الطبيعة والمشاريع، لقد نجح هؤلاء في تحويل التجربة المغربية من مشاهدة مباريات كرة القدم إلى منتوج بصري ذي قيمة ثقافية وسياحية وإقتصادية ، كانت مساهِم بشكل غير مباشر في تعزيز صورة البلد وإغناء حضوره في الذاكرة الرقمية الدولية.
غياب مغربي محلي… سؤال المسؤولية قبل سؤال التقنية
في الجهة المقابلة، يبدو حضور جزء كبير من صناع المحتوى المغاربة متواضعًا أو شبه منعدم، رغم توفر الإمتيازات عبر توفرهم على بطاقة الاعتماد وتسهيلات في التنقل والتصوير في الفضاءات الرياضية كمركز محمد السادس لكرة القدم ومتحف الجامعة وتوفير كل شروط الراحة فإن المحتوى المؤثرين المغاربة لا يوازي حجم ما يقدّمه الضيوف العرب والأفارقة والوافدون الأجانب، ويُفسَّر هذا الغياب في جانب منه بواقع يَبرهن على ضعف المستوى الإبداعي والمعرفي لدى بعض صناع المحتوى المحليين، وانشغال عدد منهم بمنطق “البوز” والانتشار السريع بدل الاشتغال على محتوى جادّ يعكس الهوية والثقافة والعمق المجتمعي خلال هذه الكأس القارية، وهنا تتقاطع عوامل أخرى لا تقل تأثيرًا منها ضعف التكوين السمعي-البصري واللغوي لدى فئة من المؤثرين، غياب الحكامة الجيدة والمؤسساتية لمنظمي تجمع “المؤثرين” في هذا الحدث وانتشار المحتوى اللحظي السطحي على حساب السرد الثقافي والهويّاتي طويل الأمد، بهذا المعنى، ليست المشكلة في “تفوق الآخرين”، بقدر ما هي عجز جزء من الطاقات المحلية عن تحويل المغرب إلى موضوع معرفي وسردي جذّاب يستحق المنافسة في الفضاء الرقمي، خصوصا أن المملكة مقبلة على تنظيم مونديال 2030.
جمال المملكة وهوية تُروى بالنيابة… مكسبٌ جزئي
لا يمكن إنكار أن حضور الآخرين في رواية المغرب يعود على البلد بإشعاع إيجابي واضح، غير أن ترك صورة الوطن تُبنى أساسًا بأصوات خارجية يحمل في المقابل مخاطر رمزية وثقافية حيث قد تصبح الصورة انتقائية أو مجتزأة، لأن الهوية التي لا يعبّر عنها أصحابها قد تفقد جزءًا من عمقها ومعانيها، لذلك، فالقضية ليست منافسة أو صراع أصوات، بل استعادة المبادرة السردية من داخل المجتمع نفسه، حتى لا يتحول الوطن إلى موضوع يُحكى عنه بدل أن يحكي عن ذاته.
من النقص إلى الفرصة: شراكة ذكية لبناء سرد رقمي بديل
الحل لا يكمن في رفض حضور الآخر أو التقليل من قيمته، على العكس، فقد قدّم الكثير منهم خدمة ملموسة في التعريف بالمغرب، المطلوب هو تحويل التجربة إلى شراكة منتجة تقوم على نقل الخبرات التقنية والفنية إلى المؤثرين المغاربة ، تنظيم المبادرات الميدانية التي تربط السرد الرقمي بالبحث الثقافي والتاريخي،
وخلق منصّات بين المبدعين المحليين والمؤثرين الدوليين، بهذه المقاربة، لا يصبح حضور الآخر بديلًا عن صوتنا، بل رافدًا يقوّيه ويغنيه.
أين المسؤول الذي جمع المؤثرين دون أن ينظم لهم دورات تكوينية ووضع استراتيجيات للحدث قبل انطلاقه؟
بين سؤال اليقظة ومسؤولية السرد الوطني
يمتلك المغرب من القصص والتجارب والرموز ما يكفي ليُروى بألف زاوية وبملايين التفاصيل، غير أن أقوى هذه الزوايا يجب أن تظل زاوية الذات الوطنية صوت الشباب والمبدعين والباحثين وصنّاع المحتوى المحليين، حين يدركون أن الهوية ليست مادة للاستهلاك العابر، بل مشروعًا للوعي والتجديد والبناء الثقافي المستدام.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيستفيق صناع المحتوى المغاربة لاستعادة حضورهم الرقمي، أم سيظل المغرب يُروى للعالم بصوت الغير؟

