بقلم عزيز بنحريميدة
حين تُتلى الفصول وتُسطر الأحكام في قاعات المحاكم، و ترتجف القلوب و تتحسس الرؤوس يقف القاضي بين حدّين: نص القانون وروح القانون.
الأول جامد في عباراته، مضبوط في صياغته، لا يعرف العاطفة ولا يلتفت إلى التفاصيل الإنسانية إلا بقدر ما تسمح به الحروف.
أما الثاني، فحيٌّ نابض، يتسلل إلى وجدان القاضي، يذكّره بأن العدالة ليست انتقاماً، وأن الجزاء ليس دائماً عقوبة قاسية، بل قد يكون إصلاحاً وتوجيهاً ومنح فرصة للبدء من جديد.
ومن بين النماذج القضائية التي تجسد هذا التوازن الدقيق، يبرز اسم الأستاذ القاضي هشام بحار، المستشار بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، الذي راكم تجربة مهنية مشهود لها بالرصانة والاتزان، وجمع في أحكامه بين صرامة القانون وإنسانيته.
فهو ذالكم القاضي الرحيم العادل الذي لا يفرّط في تطبيق القانون، ولا يُغلّب العاطفة على النص، وإنما هو من يُحسن الموازنة بينهما.
يقرأ الملف بعين القانون، ويقرأ الإنسان بقلب المسؤولية.
هو قاضٍ يبحث عن البراءة قبل الإدانة، لأن الأصل في الإنسان البراءة، ولأن الخطأ في العفو أهون من الخطأ في العقاب.
ينصت جيداً، لا يكتفي بمحضر ولا يكتفي باعترافٍ معزول، بل يغوص في القرائن، ويستحضر السياق، ويسأل:
هل نحن أمام مجرم معتاد أم أمام إنسان تعثر؟
هل الفعل نتيجة إجرام متجذر أم نتيجة ظرف اجتماعي ضاغط؟
هل العقوبة ستصلح أم ستكسر ما تبقى من أمل؟
وأنا كاتب هذه السطور، حضرت جلسات نُطقت فيها أحكام في حق متهمين، ورأيت بعيني وسمعت بأذني دعوات أمهات وآباء ارتفعت بعد صدور الحكم، يدعون للقاضي بالخير وطول العمر، لأن حكمه لم يكن قاسياً يُجهز على مستقبل أبنائهم، ولم يكن متساهلاً يفرّط في هيبة القانون، بل كان متزناً أعاد الأمل وأبقى باب الإصلاح مفتوحاً.
القاضي الرحيم لا يرى المتهم رقماً في سجل، بل يرى خلفه أسرة تنتظر، وأطفالاً قد يُحرمون من سندهم، وأماً قد تنكسر مرتين: مرة بالفعل، ومرة بالحكم.
هو يعلم أن السجن ليس حلاً سحرياً لكل انحراف، وأن بعض الأحكام القاسية قد تصنع مجرمين بدل أن تصلحهم.
في فلسفة العدالة الحديثة، لم تعد العقوبة غاية في ذاتها، بل أصبحت وسيلة للإصلاح وإعادة الإدماج.
وهنا تتجلى قيمة القاضي الذي يمنح الفرصة الأولى… بل أحياناً الثانية، حين يرى صدق الندم وإمكانية التقويم.
ليس ضعيفاً من يلين حيث يقتضي الإصلاح،
وليس عادلاً من يقسو حيث يكفي التنبيه.
فالعدل ليس مساواة حسابية جامدة، بل إنصاف يضع كل حالة في ميزانها الخاص.
والجزاء ليس دائماً سجناً وغرامة، بل قد يكون إنذاراً، أو وقف تنفيذ، أو فرصة مشروطة بإثبات حسن السلوك.
هكذا يكون القاضي أباً حين يحتاج المجتمع إلى الأبوة، ومربياً حين تحتاج العدالة إلى التربية، وحازماً حين تستدعي الضرورة الحزم.
إنه لا يُدين لإرضاء الرأي العام، ولا يُبرئ خوفاً من النقد، بل يحكم بضمير حيّ، مطمئن إلى أنه أدى أمانته.
وبين القانون وروح القانون، يبقى نموذج الأستاذ هشام بحار صورة لعدالة تُصلح ولا تُحطم، تُقوّم ولا تُقصي، وتمنح الإنسان فرصة ليبدأ من جديد… لأن الغاية الأسمى من القضاء ليست ملء السجون، بل حماية المجتمع بإعادة بناء أفراده.
فالعدل الحقيقي ليس في الشدة وحدها،
بل في القدرة على رؤية الإنسان… قبل رؤية الجريمة

