صوت العدالة- عشار أسامة
لم تعد فيضانات مدينة بنسليمان مجرد حدث عابر تفرضه التقلبات المناخية، بل تحولت إلى مؤشر سياسي واضح يقيس مستوى الجدية في تدبير الشأن المحلي، وقدرة المؤسسات المنتخبة والسلطات المعنية على الانتقال من منطق التبرير إلى منطق القرار. فحين تتكرر المشاهد نفسها، يصبح الصمت شكلاً من أشكال القبول بالأمر الواقع.
الواقع أن النقاش لم يعد حول توفر الإمكانيات من عدمها، بل حول كيفية توظيفها، وأين تتعثر القرارات، ولماذا تغيب المقاربة الاستباقية رغم وضوح المخاطر. فالتدخل بعد وقوع الضرر لا يمكن اعتباره سياسة عمومية، بل اعترافاً ضمنياً بفشل التخطيط وغياب الرؤية بعيدة المدى.
سياسياً، يطرح ملف الفيضانات ببنسليمان سؤال المسؤولية المشتركة بين مختلف الفاعلين، من مجالس منتخبة تتحمل واجب المراقبة والاقتراح، إلى إدارات تقنية مطالبة بتنزيل الحلول على أرض الواقع، مروراً بسلطات يفترض فيها ضمان التنسيق وتوحيد القرار. غير أن هذا التعدد، بدل أن يكون مصدر قوة، تحول في كثير من الأحيان إلى مبرر لتبادل المسؤوليات.
إن الإرادة السياسية الحقيقية لا تقاس بالبلاغات ولا بالخرجات الموسمية، بل بمدى القدرة على اتخاذ قرارات غير شعبوية، قد تكون مكلفة اليوم لكنها أقل كلفة من استمرار الخسائر غداً. كما تقاس بالجرأة على فتح ملفات التهيئة، ومساءلة من أخطأ، وربط المشاريع العمومية بالمحاسبة والشفافية.
افتتاحية اليوم لا تبحث عن تصعيد مجاني، بقدر ما تدعو إلى لحظة صدق سياسي مع ساكنة بنسليمان. فإما أن يتحول ملف الفيضانات إلى أولوية حقيقية داخل أجندة القرار المحلي، أو يظل عنواناً دائماً لعجز يتكرر، وتدفع ثمنه مدينة تستحق تدبيراً أفضل ورؤية أوضح.

