صوت العدالة – قراءة قانونية
صدر القرار المشترك رقم 189.26 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7483 بتاريخ 16 فبراير 2026، محدداً نسبة الرسوم المخصصة لتمويل صناديق حوادث الشغل والأمراض المهنية في 20 في المائة برسم سنة 2026، وذلك في إطار قرار مشترك بين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الاقتصاد والمالية، يسري مفعوله ابتداءً من فاتح يناير إلى غاية 31 دجنبر من السنة نفسها.
ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من القرارات التنظيمية السنوية التي تهدف إلى ضمان استمرارية تمويل صناديق التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، بما يعكس حرص الدولة على تأمين الموارد المالية الضرورية لهذا الورش الاجتماعي الحيوي، الذي يرتبط مباشرة بحقوق فئة واسعة من الأجراء والمتضررين.
غير أن هذا الانتظام التشريعي في تحصيل الموارد يقابله، في المقابل، تساؤل قانوني واجتماعي ملح حول مصير حقوق الضحايا، في ظل استمرار تجميد الزيادة في الإيرادات المخصصة للتعويض، رغم التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء الاجتماعية المرتبطة بالعلاج وإعادة التأهيل.
ففي الوقت الذي تواصل فيه الدولة إصدار قرارات سنوية لضمان تمويل الصناديق خلال سنوات 2024 و2025 و2026، لم يصدر إلى حدود الساعة المرسوم المنتظر الذي يُفترض أن يقر الزيادة في الإيراد لفائدة الضحايا، بما يواكب التضخم ويعزز القدرة الشرائية للمستفيدين، ويضمن عدالة التعويض وفق فلسفة الحماية الاجتماعية التي تبناها المشرع المغربي.
وتكشف هذه الوضعية عن مفارقة قانونية واجتماعية واضحة: صناديق تُغذى بانتظام عبر آليات التحصيل، في مقابل مردودية اجتماعية لا تعكس بالقدر الكافي حجم الانتظارات، حيث يجد ضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية أنفسهم أمام تعويضات لا تواكب واقعهم المعيشي، ما يجعلهم في “قاعة انتظار” تشريعية ممتدة.
إن مبدأ الحماية الاجتماعية، كما كرّسه الدستور والتشريعات ذات الصلة، لا يقوم فقط على ضمان الموارد المالية، بل يقتضي تحقيق توازن فعلي بين آليات التحصيل وعدالة التعويض. فاستمرار إصدار قرارات الرسوم دون مواكبتها بمرسوم يرفع من الإيرادات لفائدة الضحايا يفرغ النصوص القانونية من غايتها الحمائية، ويُبقي فئة واسعة في وضعية هشاشة مادية واجتماعية.
وإذا كانت الدولة قد قطعت أشواطاً مهمة في ورش تعميم الحماية الاجتماعية، فإن ملف حوادث الشغل والأمراض المهنية يظل في حاجة إلى تدخل تشريعي وتنظيمي عاجل يضمن تحديث منظومة التعويض، ويربطها بمؤشرات التضخم وتكاليف العلاج وإعادة الإدماج المهني، بما يحقق الإنصاف ويعيد الثقة في المنظومة.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتحصيل الرسوم، بل بترجمة تلك الموارد إلى حماية فعلية وكرامة معيشية للضحايا، حتى لا تتحول الصناديق إلى آليات مالية صامتة، وتظل العدالة الاجتماعية شعاراً مؤجلاً في انتظار نص تنظيمي يضع الضحايا في صلب المعادلة.
تحرير: جريدة صوت العدالة
SATV.ma

