الرئيسية غير مصنف حين تُراقَب سرية الدفاع: كاميرات “عكاشة” وأسئلة الثقة المفقودة

حين تُراقَب سرية الدفاع: كاميرات “عكاشة” وأسئلة الثقة المفقودة

IMG 1254
كتبه كتب في 2 مارس، 2026 - 9:48 مساءً

بقلم: عزيز بنحريميدة صوت العدالة

في تدوينة مؤثرة نشرتها الأستاذة فاطمة الزهراء الإبراهيمي، المحامية بهيئة الدار البيضاء، عقب زيارتها إلى السجن المحلي عكاشة، ارتسمت صورة مقلقة لواقع جديد يؤطر علاقة الدفاع بمؤازريه داخل المؤسسة السجنية. صورة عنوانها الأبرز: تضييق متزايد على فضاء يُفترض فيه أن يكون ملاذ السرية والاطمئنان القانوني.

تقول الأستاذة الإبراهيمي إنها دخلت السجن وفي النفس شيء من الأسى؛ فالمحامي لم يعد يُسمح له بإدخال هاتفه، ويُحال بينه وبين تمكين مؤازره من أي وثيقة تتعلق بحكم أو محضر أو قرار، كما يخضع عند الباب لمراقبة بطاقته المهنية وبطاقته الوطنية. إجراءات قد تُبرر إداريا بداعي التنظيم أو الأمن، لكنها – في نظر العديد من المهنيين – تمس بجوهر ممارسة الدفاع حين تتحول من تنظيم إلى تقييد.

غير أن التحول الأبرز، وفق التدوينة، هو ما وصفته بـ”تطويق فضاء زيارة المحامي بالكاميرات”، حيث يوجد أمام كل غرفة مزار موظف وكاميرا ترصد لقاء الدفاع بمؤازره. كثرة الكاميرات المثبتة في هذا الفضاء لا تترك – بحسب تعبيرها – إلا ألما عميقا، لما تحمله من دلالة على تراجع منسوب الثقة في رسالة الدفاع.

سرية الدفاع… بين النص والواقع

الإشكال المطروح ليس تقنيا فحسب، بل قانوني ودستوري بامتياز. فالعلاقة بين المحامي ومؤازره تقوم على مبدأ السرية، الذي يشكل حجر الزاوية في ضمانات المحاكمة العادلة. سرية الدفاع لا تقتصر على ما يُقال، بل تمتد إلى ما يُكتب، وما يُتداول من وثائق، وما يُرسم من استراتيجيات تتعلق بسير الملف، واستماع المحكمة، وصياغة الأسئلة والمرافعات.

هنا تطرح الأستاذة الإبراهيمي سؤالا جوهريا:
هل وجود كاميرا مثبتة لمراقبة لقاء المحامي بمؤازره لا يمس بسرية العلاقة بينهما؟
وهل هذه الكاميرات، بحكم خصائصها التقنية، لا تتيح خاصية التكبير (Zoom) بما يمكن من تضخيم الصور أو قراءة الوثائق والملاحظات المتبادلة بين المحامي ومؤازره؟

حتى في غياب تسجيل الصوت، فإن مجرد إمكانية التقاط تفاصيل الكتابات أو الاطلاع على مضمون الوثائق قد يفرغ ضمانة “سرية الاتصال” من محتواها. فالمحاكمة العادلة لا تُختزل في منع التنصت الصوتي، بل في تحصين الفضاء بكامله من أي شكل من أشكال الرصد الذي قد يؤثر على حرية الدفاع واطمئنانه.

بين التقصير المهني والتشديد التشريعي

التدوينة لم تقف عند حدود النقد الخارجي، بل حملت أيضا بعدا نقديا ذاتيا تجاه المهنة. فقد أقرت الأستاذة الإبراهيمي بأن جزءا من هذا الواقع تتحمله مجالس الهيئات نفسها، حين لم يُفعّل الدور التأديبي بصرامة، ولم توضع حدود للتجاوزات الفردية التي أضرت بصورة المهنة.

وهو اعتراف يعكس وعيا بأن التشدد التشريعي لا يأتي في فراغ، بل غالبا ما يكون نتيجة تراكمات مهنية لم تعالج في حينها، فكان التدخل نتيجة طبيعية لفراغ تركناه يتسع حتى ضاق بالجميع.

لكن، هل يعقل أن يؤدي خطأ القلة إلى تحميل الجسم المهني بأكمله كلفة القيود؟ وهل يُعالج الخلل التأديبي الداخلي بإجراءات عامة تمس بجوهر السرية التي يقوم عليها الدفاع؟

غياب المبادرة… وصمت المؤسسات

من النقاط التي أثارتها التدوينة أيضا، مرور التشريعات تحت أنظار المؤسسات المهنية المنتخبة دون موقف حازم أو مساءلة جادة. صمت يثقل المشهد، وغياب لأي مبادرة تعيد التوازن لما يجري.

فإذا كانت العلاقة داخل المؤسسة السجنية تُختزل في نطاق إداري صرف بين مدير السجن والنيابة العامة، دون تمثيلية أو إشعار للمؤسسة المهنية، فإن ذلك يطرح سؤال التوازن المؤسساتي، ومدى احترام المكانة الاعتبارية للمحامي باعتباره جزءا أصيلا من منظومة العدالة.

بين الأمن والضمانات

لا خلاف على أن المؤسسة السجنية فضاء أمني بامتياز، وأن الحفاظ على النظام يظل أولوية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد معادلة دقيقة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات المحاكمة العادلة.

فإذا شعر المحامي بأن لقاءه بمؤازره مراقَب بصريا، وإذا شعر المعتقل أن حديثه أو وثائقه قد تكون محل رصد، فإن عنصر الثقة – الذي هو أساس العلاقة – يتآكل، ولو لم يُسجل صوت واحد.

التدوينة التي نشرتها الأستاذة فاطمة الزهراء الإبراهيمي ليست مجرد انطباع شخصي، بل تعبير عن قلق مهني يتقاطع مع مبادئ دستورية راسخة.

ويبقى السؤال مفتوحا أمام المشرع، والمؤسسات المهنية، والإدارة السجنية:
كيف نصون سرية الدفاع في زمن الكاميرات؟
وكيف نعيد بناء الثقة دون التفريط في مقتضيات الأمن؟

أسئلة لا تحتمل الصمت، لأن الدفاع ليس امتيازا مهنيا، بل ضمانة مجتمعية تمس حق كل مواطن في محاكمة عادلة

مشاركة