صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
خلف انسحاب المعلق الرياضي بقنوات “بي إن سبورت” عصام الشوالي من التعليق مباشرة بعد تسجيل هدف مالي الحاسم، موجة من الجدل الواسع، تجاوزت نتيجة المباراة نفسها، لتطرح أسئلة جوهرية حول مفهوم المهنية في التعليق الرياضي وحدود التعبير عن الانتماء الوطني على الهواء مباشرة.
فمنذ انطلاق المباراة، بدا واضحًا أن الشوالي تعامل مع اللقاء بعاطفة طاغية، حيث تحدث بثقة كبيرة عن عبور المنتخب التونسي إلى دور الثمانية، وذهب أبعد من ذلك حين شرع في استباق الأحداث بالحديث عن مواجهة قادمة في طنجة أمام السنغال. هذا الخطاب استمر رغم أن المنتخب المالي، الذي لعب منقوص العدد منذ الدقيقة 26، أظهر صلابة تكتيكية كبيرة ونجح في مجاراة النسق التونسي إلى غاية اللحظات الأخيرة.
وعندما سجلت تونس هدف التقدم، ترسخ الانطباع بأن التأهل بات مسألة وقت، غير أن كرة القدم، كعادتها، قلبت المعادلة في الدقيقة 96 بهدف التعادل من نقطة الجزاء، قبل أن تحسم ركلات الترجيح المواجهة لصالح مالي. عندها، اختار الشوالي الانسحاب من التعليق مباشرة بعد هدف الانتصار، في مشهد غير مسبوق أثار استغراب المتابعين.
هذا التصرف، مهما كانت دوافعه النفسية أو العاطفية، يطرح إشكالًا مهنيًا واضحًا. فالمعلق الرياضي ليس مشجعًا في المدرجات، بل هو واجهة إعلامية ملزمة بضبط الانفعال، واحترام قواعد الحياد النسبي، خاصة في لحظات الحسم القاسية. كما أن من صميم مهامه إنصاف الفريق الفائز، وتقديم الخلاصة الفنية والإحصائيات النهائية، بدل الانسحاب الصامت الذي قد يُفهم كرفض غير معلن للنتيجة.
لا أحد ينكر مكانة عصام الشوالي ولا تاريخه الطويل في التعليق الرياضي، كما لا يمكن تجاهل البعد الإنساني والعاطفي الذي يرافق مباريات الإقصاء، غير أن الممارسة المهنية تقتضي الفصل الواضح بين الانتماء الشخصي والواجب الإعلامي، خصوصًا على شاشة دولية يتابعها جمهور متنوع.
إن ما حدث لا يتعلق بشخص الشوالي بقدر ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: إلى أي حد يُسمح للمعلق بأن يكون منحازًا؟ وأين تنتهي العاطفة ليبدأ الالتزام المهني؟ أسئلة تبقى مطروحة بقوة، بعد واقعة ستظل علامة فارقة في تاريخ التعليق الرياضي العربي.

