بقلم عزيز بنحريميدة
أثارت الواقعة التي شهدها مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بعد سقوط شاب من الطابق الرابع أثناء عملية استنطاقه، موجة واسعة من التفاعل والجدل، لم تقتصر على النقاش القانوني والحقوقي المشروع، بل امتدت إلى فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي حيث اختلطت المعطيات بالتحليلات والانطباعات، وتحولت الواقعة في بعض الأحيان إلى مادة للتوظيف الإعلامي والسياسي من طرف جهات تسعى إلى التشكيك في عمل المؤسسات الأمنية وضرب مصداقيتها.
إن أول ما يفرض نفسه في مثل هذه الأحداث هو ضرورة استحضار المنطق والعقلانية قبل إصدار الأحكام. فهل يستقيم فعلاً، من الناحية الواقعية والمؤسساتية، أن تقدم عناصر أمنية داخل مرفق رسمي خاضع للقانون والرقابة على رمي شخص من الطابق الرابع؟ وهل يمكن تصور أن مقر الفرقة الوطنية، المعروف بطبيعته المؤسساتية وخضوعه لمختلف آليات المراقبة، يمكن أن يتحول إلى فضاء لعمليات تصفية جسدية أو انتقامية؟ ثم هل طبيعة التهم الموجهة إلى المعني بالأمر – مهما كانت خطورتها – تبرر منطقياً أي سلوك خارج القانون داخل مؤسسة أمنية رسمية؟
هذه الأسئلة في حد ذاتها تحمل جزءاً كبيراً من الجواب، لأن عمل الضابطة القضائية مؤطر قانوناً ومساطر، ويجري داخل فضاء مهني خاضع للمساءلة الإدارية والقضائية، وليس في أماكن معزولة أو خارج رقابة المؤسسات.
السيناريو الأقرب للواقعية، وفق ما يتداوله عدد من المتابعين، يظل مرتبطاً بإمكانية محاولة الشاب الهروب أثناء مواجهته بقرائن أو معطيات مرتبطة بالبحث، وهي حالات شهدتها عدة وقائع مماثلة في مختلف دول العالم، حيث تدفع حالة الضغط النفسي بعض المشتبه فيهم إلى سلوكيات اندفاعية وغير محسوبة. كما تظل فرضية الإقدام على القفز بدافع الخوف من المآلات القضائية أو من تبعات الملف مطروحة بدورها، دون الجزم بأي رواية في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية.
غير أن المؤكد هو أن تحويل الواقعة إلى رواية جاهزة تتهم المؤسسة الأمنية أو تتحدث عن “تصفية جسدية” دون أدلة قاطعة، يدخل في خانة التسرع الإعلامي، بل وقد يتحول في بعض الأحيان إلى بروباغندا تستهدف الثقة في مؤسسات الدولة. فالمؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الفرقة الوطنية، راكمت عبر سنوات طويلة تجربة مهنية معقدة في التعامل مع ملفات ثقيلة، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى القضايا ذات الحساسية العالية، وكانت دائماً محط متابعة داخلية وخارجية، بما في ذلك منظمات حقوقية وهيئات مراقبة.
وتكفي العودة إلى شهادات عدد من المعتقلين في قضايا خطيرة، بمن فيهم مدانون في ملفات الإرهاب و السلفية الجهادية والعنف، الذين صرحوا في مراحل مختلفة بأن التحقيقات التي خضعوا لها جرت في إطار احترام المساطر القانونية وحقوق الإنسان، للتأكيد على أن الصورة العامة لعمل هذه المؤسسة لا يمكن اختزالها في واقعة واحدة، مهما كانت مؤلمة وصادمة.
إن خطورة اللحظة تكمن في محاولات استغلال الحدث إعلامياً، خاصة من طرف منصات أو جهات اعتادت توظيف الوقائع الفردية لضرب المؤسسات الأمنية والتشكيك في أدوارها، وهو أمر لا يخدم النقاش الحقوقي الجاد بقدر ما يغذي خطاباً شعبوياً أو دعائياً. فالنقد المشروع لعمل أي جهاز يجب أن يستند إلى معطيات دقيقة وتحقيقات رسمية، لا إلى استنتاجات مسبقة أو روايات غير موثقة.
وفي المقابل، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل البعد الإنساني للواقعة. فهي حادثة مؤلمة بكل المقاييس، تستدعي قبل أي شيء تقديم التعازي الصادقة إلى أسرة الضحية ومحيطه، والتعامل معها بالجدية التي تقتضيها، سواء من حيث تحديد المسؤوليات إن وجدت، أو من حيث استخلاص الدروس المؤسساتية لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
إن الموضوعية تفرض انتظار نتائج التحقيقات الرسمية باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها تحديد ملابسات ما وقع بدقة، بعيداً عن التهويل أو التوظيف. فالعدالة لا تُبنى على الانطباعات، والمؤسسات لا تُقيَّم من خلال حادثة معزولة، بل عبر مسار طويل من الأداء والمسؤولية والمساءلة.
وبين واجب حماية المؤسسات من حملات التشويه، وضرورة صون الحقوق والحقيقة، يبقى التوازن مطلوباً: لا تبرير دون تحقيق، ولا اتهام دون دليل، ولا استغلال لمأساة إنسانية في معارك إعلامية أو سياسية. فالمعركة الحقيقية ليست بين روايتين، بل بين الحقيقة والإشاعة، وبين النقاش الرصين والبروباغندا

