الرئيسية آراء وأقلام السياسة المالية في المغرب في ظل المتغيرات والتحولات العالمية بين رهانات الاستقرار، متطلبات الإصلاح، وآفاق التحول الاستراتيجي

السياسة المالية في المغرب في ظل المتغيرات والتحولات العالمية بين رهانات الاستقرار، متطلبات الإصلاح، وآفاق التحول الاستراتيجي

IMG 20260121 WA0035
كتبه كتب في 21 يناير، 2026 - 4:27 مساءً

شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات بنيوية عميقة، أعادت إلى الواجهة الدور المحوري للدولة في المجالين الاقتصادي والمالي. فقد أفرزت الأزمات المتتالية، من الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، إلى جائحة كوفيد-19، مرورًا بالاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التضخم واختلال سلاسل التوريد، سياقًا عالميًا يتسم بعدم اليقين وتزايد المخاطر الاقتصادية. وفي هذا الإطار، استعادت السياسة المالية مكانتها كأداة مركزية في تدبير الأزمات وضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بالنسبة للمغرب، تكتسي السياسة المالية أهمية خاصة، بالنظر إلى خصوصية المسار الإصلاحي الذي اعتمدته المملكة، والذي يجمع بين الانفتاح الاقتصادي، والسعي إلى ترسيخ الانتقال الديمقراطي، والحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسساتي. فلم تعد السياسة المالية مجرد آلية تقنية لضبط الميزانية، بل أضحت تعكس اختيارات سياسية واستراتيجية كبرى، تتقاطع فيها رهانات السيادة المالية، والعدالة الاجتماعية، ونجاعة الحكامة العمومية.

يهدف هذا المقال إلى تحليل السياسة المالية في المغرب في ضوء التحولات العالمية، من خلال مقاربة تجمع بين البعد المالي والسياسي والاستراتيجي، مع مساءلة قدرتها على التكيّف مع الضغوط الخارجية والاستجابة للرهانات الداخلية، واستشراف السيناريوهات الممكنة لمستقبلها.

أولًا: الإطار المفاهيمي للسياسة المالية

  1. مفهوم السياسة المالية

تُعرَّف السياسة المالية تقليديًا على أنها مجموع التدابير التي تعتمدها الدولة عبر النفقات العمومية والموارد الجبائية للتأثير في النشاط الاقتصادي، وتحقيق أهداف مثل النمو، التشغيل، وضبط التضخم. غير أن هذا التعريف الكلاسيكي لا يستوعب التحولات العميقة التي عرفها دور الدولة، خاصة في ظل تعقّد الأدوار الاقتصادية وتداخلها مع الأبعاد السياسية والاجتماعية.

في مقاربات الاقتصاد السياسي، تُنظر إلى السياسة المالية باعتبارها أداة تعبير عن اختيارات السلطة العمومية، وعن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي تعكس من جهة أولويات الإنفاق العمومي، ومن جهة أخرى أنماط توزيع الثروة والموارد، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واجتماعية عميقة.

  1. السياسة المالية بين الوظيفة التقنية والبعد الاستراتيجي

أدى تطور دور الدولة، خاصة في الاقتصادات الصاعدة، إلى بروز تصور جديد للسياسة المالية باعتبارها أداة استراتيجية للتنمية. فلم يعد الهدف هو مجرد التوازن المحاسباتي، بل تحقيق الاستدامة المالية، وتعزيز العدالة الجبائية، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي. وفي السياق المغربي، تتقاطع السياسة المالية مع رهانات كبرى، من بينها تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، ودعم ورش الجهوية المتقدمة.

ثانيًا: دور السياسة المالية في المغرب

بين تحقيق الاستقرار الاقتصادي وبناء الشرعية السياسية

تُعد السياسة المالية إحدى الأدوات الأساسية لضمان الاستقرار الماكرو-اقتصادي، خاصة في اقتصاد منفتح نسبيًا كالمغرب. وقد سعت الدولة، خلال السنوات الأخيرة، إلى اعتماد سياسة مالية تتسم بالحذر، تقوم على ضبط عجز الميزانية والتحكم في المديونية العمومية، مع الحفاظ على هامش للتدخل عند الضرورة.

غير أن هذا التوجه يطرح إشكالية التوازن بين الانضباط المالي ومتطلبات النمو. فالتركيز المفرط على التوازنات الماكرو-اقتصادية قد يؤدي إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، مما يحدّ من الأثر التنموي للسياسة المالية.

من جهة أخرى، تلعب السياسة المالية دورًا اجتماعيًا مهمًا من خلال إعادة توزيع الثروة وتقليص الفوارق. غير أن النظام الجبائي المغربي ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالعدالة والفعالية، خاصة في ظل محدودية مساهمة بعض القطاعات وامتداد القطاع غير المهيكل. كما أن نجاعة الإنفاق الاجتماعي تظل رهينة بقدرة الدولة على توجيهه بشكل فعال وربطه بتقييم السياسات العمومية.

سياسيًا، تشكل السياسة المالية أداة لبناء الشرعية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. فالشفافية في تدبير المال العام وعدالة توزيع الموارد تعدّ من العناصر الأساسية لترسيخ هذه الثقة، خاصة في سياق يتسم بتزايد المطالب الاجتماعية.

ثالثًا: تأثير الانتقال الديمقراطي المغربي في بلورة سياسة مالية أكثر نجاعة

عرف المغرب مسارًا إصلاحيًا تدريجيًا بلغ مرحلة مفصلية مع دستور 2011، الذي أسس لمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعزّز دور البرلمان والمؤسسات الرقابية في تدبير الشأن المالي. وقد أتاح هذا الإطار الدستوري فرصة لإضفاء بعد ديمقراطي على السياسة المالية، من خلال توسيع فضاء النقاش والمساءلة.

غير أن الأثر الفعلي لهذا الانتقال ظل محدودًا، بفعل استمرار مركزية القرار المالي، وضعف المشاركة المجتمعية في النقاش المالي، ومحدودية تفعيل توصيات المؤسسات الرقابية. كما أن ورش الجهوية المتقدمة، رغم أهميته، ما يزال يواجه تحديات تتعلق بضعف الاستقلالية المالية للجهات واستمرار تبعيتها للمركز.

وعليه، يمكن القول إن الانتقال الديمقراطي المغربي أسهم في إرساء إطار مؤسساتي ملائم لإصلاح السياسة المالية، لكنه لم يبلغ بعد مستوى التحول البنيوي القادر على جعلها أداة مركزية لتعميق الديمقراطية.

رابعًا: تحديات السياسة المالية المغربية في ظل التحولات الدولية

تواجه السياسة المالية المغربية تحديات متزايدة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة. فقد فرضت جائحة كوفيد-19، ثم الاضطرابات الجيوسياسية، ضغوطًا كبيرة على الميزانية، نتيجة تراجع الموارد وارتفاع النفقات. كما شكلت المديونية العمومية أحد أبرز التحديات، لما تفرضه من قيود على هامش المناورة المالية.

ويضاف إلى ذلك تحدي التوفيق بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على السيادة المالية، خاصة في ظل الالتزامات الدولية والاتفاقيات التجارية. كما يفرض التحول نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي رهانات مالية جديدة، تتطلب إعادة توجيه الإنفاق العمومي وتحفيز الاستثمار، مع ضمان عدالة هذا الانتقال.

خامسًا: آفاق السياسة المالية المغربية والسيناريوهات الممكنة

يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السياسة المالية في المغرب. يتمثل السيناريو الأول في الاستمرارية المُحسَّنة، التي تحافظ على الاستقرار المالي دون إحداث تحول بنيوي عميق. أما السيناريو الثاني فيقوم على إصلاح عميق مشروط، يرتكز على العدالة الجبائية وتحسين الحكامة وتعزيز الرقابة الديمقراطية. في حين يذهب السيناريو الثالث نحو تحول استراتيجي شامل، يعيد تعريف السياسة المالية كأداة سيادية للتنمية والديمقراطية معًا.

ويظل اختيار أحد هذه السيناريوهات رهينًا بتفاعل عوامل متعددة، من بينها الإرادة السياسية، والقدرة المؤسساتية، وطبيعة السياق الدولي، ومدى إشراك الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني في بلورة القرار المالي.

خاتمة

يُظهر هذا التحليل أن السياسة المالية في المغرب تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فهي لم تعد مجرد أداة تقنية لضبط الميزانية، بل أصبحت رافعة استراتيجية محتملة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم، فإن مستقبلها لا يتحدد فقط بقدرتها على تحقيق الاستقرار المالي، بل بمدى نجاحها في تعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء الثقة السياسية، وترسيخ المسار الديمقراطي، في سياق عالمي متقلب يعيد باستمرار طرح سؤال دور الدولة وحدود تدخلها.

الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

مشاركة