انعقد يوم الاثنين 30 مارس 2026 بمقر النيابة العامة اجتماع اللجنة المحلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، في إطار الاجتماعات الدورية الرامية إلى تعزيز آليات التنسيق والتكامل بين مختلف المتدخلين، وقد خُصص هذا اللقاء لتدارس موضوع بالغ الأهمية يتمثل في العنف النفسي ضد النساء والفتيات الناتج عن التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باعتباره أحد أبرز تجليات العنف الرقمي الذي أضحى يعرف انتشارا مقلقا داخل المجتمع.
وقد استهل هذا اللقاء بكلمة تأطيرية للسيد وكيل الملك، رحب فيها بالحضور، ونوه بأهمية هذا الاجتماع الذي يندرج في صلب انشغالات السياسة الجنائية، مبرزا أن موضوع التشهير عبر الوسائط الرقمية لم يعد مجرد سلوك معزول، بل تحول إلى ظاهرة إجرامية مركبة تمس بشكل مباشر كرامة النساء والفتيات وتهدد أمنهن النفسي والاجتماعي. كما أكد أن العنف الرقمي، وخاصة ما يتخذ شكل التشهير أو الابتزاز أو نشر المعطيات الخاصة، يخلف آثارا نفسية عميقة على الضحايا، من قبيل الخوف والعزلة وفقدان الإحساس بالأمان، وقد يدفع بهن في كثير من الأحيان إلى الانكفاء والصمت بدل اللجوء إلى القضاء.
وأشار في معرض كلمته إلى أن بعض الضحايا يقعن فريسة للاستدراج عبر الفضاء الرقمي، ليجدن أنفسهن عرضة للابتزاز أو التهديد بنشر محتويات خاصة، وهو ما يستدعي تكثيف الجهود التوعوية والتحسيسية، خاصة داخل المؤسسات التعليمية، قصد ترسيخ ثقافة الاستعمال الآمن والمسؤول للتكنولوجيا الحديثة. كما شدد على ضرورة إعمال مقاربة شمولية تجمع بين الزجر القانوني والوقاية المجتمعية، داعيا إلى بلورة توصيات عملية كفيلة بالتصدي لهذه الظاهرة في إطار تنسيق محكم بين مختلف الفاعلين.
وفي سياق التأطير القانوني، تم التأكيد على أن المشرع المغربي قد تدخل من خلال ترسانة قانونية متقدمة، خاصة القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وكذا مقتضيات القانون الجنائي، لاسيما الفصول 447.2 و447.3 و503.1.1 و538، حيث تم تجريم أفعال نشر أو بث صور أو معطيات شخصية دون موافقة أصحابها، وكذا أفعال التشهير والابتزاز والتحرش الجنسي الرقمي، مع إقرار عقوبات زجرية صارمة في حق مرتكبيها، بما يعكس حرص الدولة على حماية الحياة الخاصة وصون الكرامة الإنسانية.
غير أن الكلمة التأطيرية وقفت أيضا عند الإكراهات العملية التي تعترض التصدي لهذه الجرائم، وفي مقدمتها عزوف الضحايا عن التبليغ، وصعوبة تحديد هوية الجناة بسبب استعمال هويات رقمية وهمية، فضلا عن سرعة إتلاف الأدلة الرقمية، وهو ما يفرض تعزيز آليات البحث والتحري الرقمي، وتسريع إجراءات التبليغ والتدخل.
وخلال المناقشة، أغنت مداخلات أعضاء اللجنة أشغال هذا الاجتماع، حيث أكدت السيدة فاطمة العدلي فاعلة جمعوية على أهمية تنظيم العمل داخل الخلية وتعزيز التنسيق بين مكوناتها بما يضمن نجاعة التدخلات. كما عبر السيد عبد المجيد الخياطي عن بالغ الامتنان وعميق الإشادة بالدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة لدى محكمة السمارة، ليس فقط في حماية حقوق النساء، بل في تكريس عدالة منصفة، يقظة وإنسانية، تنحاز لكرامة الإنسان وتتصدى لكل أشكال العنف والهشاشة، في تجسيد حي لروح القانون وعدالته. ونوه بالمبادرات التي تقوم بها مؤسسة التعاون الوطني بشراكة مع عدد من المتدخلين، خاصة تلك المتعلقة بتقديم الدعم والمساعدات لفائدة النساء في وضعية هشاشة، مع إبراز الدور الحيوي الذي تضطلع به مراكز الإيواء متعددة الوظائف في توفير الحماية والرعاية.
كما تم التذكير بالخدمات التي توفرها هذه المراكز، سواء من حيث الإيواء الاستعجالي المحدد في ثلاثة أيام، أو الإيواء المؤقت الذي قد يمتد إلى ستين يوما، بما يتيح للنساء ضحايا العنف فضاء آمنا للاستقرار وإعادة التوازن النفسي. وفي إطار الحلول والتوصيات ذكر المتحدث عدة حلول وتوصيات ذات الصلة.
وأبرزت تدخلات ممثلي المصالح الأمنية الجهود المبذولة في مجال حماية النساء من مختلف أشكال العنف، بما فيها العنف الرقمي، مع التأكيد على ضرورة تطوير آليات الرصد والتتبع، وتعزيز التنسيق مع النيابة العامة في هذا المجال. كما نوه محمد سالم الطالبي ممثل السلطة المحلية بالدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة في التصدي لهذه الظواهر، وبالجهود المبذولة في مجال حماية الحقوق والحريات.
وفي سياق متصل، تم التشديد على ضرورة إشراك قطاع التربية الوطنية في الجهود التحسيسية، من خلال تنظيم حملات توعوية داخل المؤسسات التعليمية، واقتراح برمجة أيام دراسية للتعريف بخطورة التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وترسيخ ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والوعي.
كما أكدت السيدة مريم البوداني على أهمية المقاربة الحقوقية في معالجة هذه الظاهرة، منوهة بالمجهودات المبذولة من طرف مختلف المتدخلين، ومشيرة إلى ضرورة تعزيز آليات التبليغ، بما في ذلك تلك المرتبطة بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مع الدعوة إلى إحداث مراكز متخصصة في الدعم النفسي، وتوفير أطر طبية متخصصة في الطب النفسي، نظرا لما تخلفه هذه الاعتداءات من آثار عميقة على الصحة النفسية للضحايا.
وقد أجمعت مختلف التدخلات على أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اعتماد مقاربة تشاركية شمولية، تنخرط فيها كافة القطاعات المعنية، إلى جانب المجتمع المدني ووسائل الإعلام، بما يضمن توحيد الجهود وتعزيز النجاعة.
وخلص الاجتماع إلى ضرورة بلورة مجموعة من التوصيات العملية، من بينها:
أولا: التوعية والتحسيس، من خلال حملات إعلامية وتربوية لتوضيح مخاطر التشهير الرقمي وكيفية الوقاية منه، خصوصا بين الشباب والفتيات.
ثانيا: المواكبة النفسية والقانونية للضحايا، عبر توفير الدعم النفسي والاستشارات القانونية لضمان حماية حقوقهم وتمكينهم من مواجهة آثار التشهير.
ثالثا: تفعيل وتطبيق القوانين المتعلقة بالعنف الرقمي والتشهير، مع تسريع مساطر التبليغ والمتابعة القضائية لضمان محاسبة المعتدين.
رابعا: تسهيل آليات التبليغ عبر منصات آمنة وسهلة الوصول، لتمكين الضحايا من التعبير عن مشاكلهم بدون خوف أو إحراج.
خامسا: الشراكة مع المجتمع المدني والمدارس والمؤسسات التعليمية، لتعزيز التربية الرقمية وغرس ثقافة التعامل المسؤول مع الفضاء الرقمي منذ الصغر. كما أكيد كذلك على أهمية المواكبة الاجتماعية والاستشارة القانونية في حماية كرامة النساء وضمان حقوقهن.
إضافة إلى إحداث لجنة فرعية منبثقة عن اللجنة المحلية تعنى بالتربية والتحسيس، مع إيلاء عناية خاصة لهذا النوع من القضايا من طرف جميع المتدخلين، سواء على مستوى النيابة العامة أو المصالح الأمنية أو باقي الشركاء. كما تم التأكيد على إعداد مخطط عمل منسق يجمع بين البعد الزجري والتوعوي، مع تنظيم حملات تحسيسية وزيارات ميدانية للمؤسسات التعليمية.
ومن بين التوصيات كذلك، الدعوة إلى تنظيم لقاءات جهوية ووطنية لتبادل التجارب والخبرات، وتعزيز انخراط مختلف الفاعلين في الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف الرقمي، مع التركيز على توفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، وتحسين آليات التبليغ والتكفل.
كما تم التأكيد على أهمية نشر ثقافة الوعي داخل الأسرة والمجتمع، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب دعم المبادرات الرامية إلى حماية الفضاء الرقمي وجعله مجالا آمنا يحترم الحقوق والحريات.
وبذلك اختتم الاجتماع على أساس ضرورة مواصلة العمل المشترك، وتكثيف الجهود لمواجهة ظاهرة التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما يضمن حماية النساء والفتيات وصون كرامتهن، في انسجام تام مع التوجهات العامة للسياسة الجنائية، ومع الالتزامات الوطنية في مجال حقوق الإنسان.






