الرئيسية آراء وأقلام التحقق من الهوية ومعاينتها في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائيةرقم 03.23)- دراسة عملية –

التحقق من الهوية ومعاينتها في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائيةرقم 03.23)- دراسة عملية –

9f1e08cd d5d5 4bed 9b14 c331900df22d
كتبه كتب في 6 فبراير، 2026 - 12:36 مساءً

                                                                                                            اعداد سعيد بوطويل

دكتور في القانون”- تخصص الاعتقال الاحتياطي-“

ان قانون المسطرة الجنائية أو كما يسميه فقهاء القانون بقانون الأبرياء يحرص المشرع من خلاله على ضبط إجراءات البحث والتحقيق مع الأشخاص ومحاكمتهم في احترام تام للضمانات القانونية والدستورية، ولعل هذه الأهمية تفرض نفسها في بسط هذه الدراسة الأولية لمستجدات التحقق من الهويةومعاينتها الواردة في قانون المسطرة الجنائية الجديد الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر بتاريخ 13/08/2025 القاضي بتنفيذ القانون رقم 03.23, والذي نشر بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 08/09/2025 ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 08/12/2025. 

وقانون المسطرة الجنائية كقانون اجرائي يحمي الحقوق والحريات الخاصة بالأفراد، يعد أهم أدوات اشتغال قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية ومحور مهامهم واختصاصاتهم، فهو على مستوى الأبحاث مثلا، يحدد إجراءات وشكليات البحث وتدابير وشروط التقييد من الحرية أو المس بها، ويعتبر التحقق من هوية الأشخاص من بين أهم تقنيات البحث الخاصة التي نظمها قانون المسطرة الجنائية.

فإجراءات تنقيط الأشخاص ومعاينة ومراقبة هوياتهم والتحقق منها التي تنهجها المصالح الأمنية مشكورة، تعد أحد أهم التدابير الاحترازية القبلية والبعدية للتصدي للجريمة والبحث عن المطلوبين للعدالة وايقافهم، وهي إجراءات تهدف بالأساس الحفاظ على النظام العام وعلى الأمن والأمان المجتمعي وعلى سلامة الأشخاص والممتلكات.

وقد بينت الاحصائيات والأرقام على مدار السنين أن هذه الإجراءات ساهمت في حماية المجتمع من جرائم كانت محتملة الوقوع وأدت كذلك الى إيقاف المتورطين المبحوث عنهم لأجل لارتكابهم جرائم مختلفة، وهو ما حقق الردع الخاص والعام وعزز ثقة المواطن في العدالة الأمنية الجنائية.

وبالرجوع الى القانون الاجرائي المحدد للشرعية الجنائية والذي هو قانون المسطرة الجنائية، نجد المشرع قد حدد من خلاله الشكليات الواجب اتباعها لتأطير التدخلات الأمنية وفق الموازنة بين الحقوق والحريات الخاصة بالأفراد وحماية سلامة وأمن المجتمع.

فكيف نظم المشرع إجراءات معاينة الهوية أو مراقبتها أو التحقق منها؟

❖ معاينة الهوية:

لقد تطرق المشرع المغربي الى معاينة الهوية في المادة 65 من قانون المسطرة الجنائية: التي جاء فيها بأنه يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع أي شخص مفيد في التحريات من الابتعاد عن مكان وقوع الجريمة إلى أن تنتهي تحرياته.

يجب على كل شخص ظهر من الضروري معاينة هويته أو التحقق منها، بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية، أن يمتثل للعمليات التي يستلزمها هذا التدبير.

يعاقب كل من خالف مقتضيات الفقرتين الأولى والثانية من هذه المادة بغرامة من 2.000 إلى 5.000 درهم.

يجرى التحقق من الهوية طبقا للمقتضيات المنصوص عليها في الباب الرابع من هذا القسم“”.

وتجدر الإشارة الى أن المشرع مكن ضابط الشرطة القضائية من أن يطلب من أي شخص معاينة هويته أو التحقق منها، كما مكن الشخص من اثبات هويته بكل الوسائل المشروعة طبقا لمقتضيات المادة 8-3-82.

ونجد بأن المشرع باستعماله واو التخيير بدل واو العطف في المادة 65 يكون قد ميز بين معاينة الهوية والتي لم يخضعها لأي إجراءات أو شروط وبين التحقق من الهوية والتي أوجب أن تتم طبقا للمقتضيات المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، ولأدل على ذلك استعماله في الفقرة الأخيرة من المادة 65 عبارة “يجري التحقق من الهوية طبقا للمقتضيات…” بحيث لم يستعمل عبارة ” يجري معاينة الهوية والتحقق منها طبقا للمقتضيات…”.

وانطلاقا مما سبق فان ضابط الشرطة القضائية أو عون الشرطة القضائية إذا ارتأى معاينة هوية أي شخص فيكتفي بطلبها إذا ظهر له أنه من الضروري ذلك وهذه الضرورة يتم تقديرها بناء على ظروف المكان والزمان والوقائع وسلوك المعني بالأمر أو سيرته اذ قد يكون معروفا لدى الضابطة القضائية بالسوابق القضائية أو الأمنية الى غير ذلك.

وتجدر الاشارة الى أن معاينة الهوية في ظل الظروف العادية تبقى مسألة أمنية إدارية وتدبيرية لم يشترط فيها المشرع اشعار النيابة العامة بالقيام بها، الا أنها إذا ارتبطت بنتائج أخرى تجعلها مخالفة أو جنحة كرفض الادلاء بما يثبت الهوية أو عدم حمل البطاقة الوطنية للتعريف الالكترونية أو عدم التوفر عليها، فهنا يصبح لزاما على ضابط الشرطة القضائية أن يحرر محضر بذلك وبالتالي يشعر النيابة العامة.

وبخلاف ذلك فاذا توفرت شروط التحقق من الهوية فان ضابط الشرطة القضائية ملزم قانونا بإشعار النيابة العامة وتطبيق المقتضيات المنصوص عليها في المواد من 7-3-82 الى 11-3-82والتي سيتم التطرق اليه بعده.

❖ التمييز بين التنقيط الاداري ومعاينة الهوية والتحقق من الهوية:

ان طلب الادلاء بالهوية لمعاينتها يعد أول اجراء يقوم به ضابط أو عون الشرطة القضائية والذي قد تليه عملية تنقيط الأشخاص عبر النظام المعلوماتي المرتبط بقاعدة بيانات مركزية للتأكد من الحالة القانونية لهم, وعملية التنقيط هذه تتميز عن عملية التحقق من الهوية الا انها قد تكون سببا لها، بحيث ان عملية التنقيط الإداري الذي تقوم به المصالح الأمنية للأشخاص في مختلف الأماكن العمومية كوسيلة احترازية ووقائية، قد تسفر عن وجود أحد شروط التحقق من الهوية فيستدعي الامر اقتياد الشخص الى مقر المصلحة الأمنية للتحقق من هويته والاستماع اليه بخصوص الوقائع والأبحاث التي قد ترتبط بذلك.

غير أن عملية تنقيط الأشخاص التي لا تسفر عن توفر أي شرط من شروط التحقق من الهوية بمعنى ان التنقيط سلبي وان الشخص موضوع التنقيط يتوفر على هويته والتي تبقى صحيحة وأدلى بها ولا يشكل موضوع أي بحث او برقية بحث ولا يتوفر على معلومات تفيد الأبحاث ولا يشكل أي تهديد للأشخاص والممتلكات فهذا الأخير يتم الاكتفاء بتنقيطه الإداري متمتعا بكامل حريته ومن دون إيقاف او اقتياد ومن دون انجاز محضر في الموضوع.

❖ التحقق من الهوية:

لابد من الإشارة الى ملاحظة جد مهمة وهي أنه بمقتضى المادة 7-3-82 من القانون رقم 03.23 فقد أضحت إجراءات التحقق من الهوية لا تتم الا وفق الشكليات والشروط المحددة في المواد من 8-3-82 الى 11-3-82 من القانون رقم 03.23 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية وذلك خلافا لأي مقتضى تشريعي اخر وبالتالي لا يعتد باي إجراءات منظمة للتحقق من الهوية واردة في أي مقتضى تشريعي اخر غير قانون المسطرة الجنائية الجديد وهو ما يتعين معه التقيد التام بهذه المعطيات.

➢ الجهات المخول لها التحقق من الهوية:

بمقتضى المادة 8-3-82 فقد مكن المشرع ضباط الشرطة القضائية من التحقق من هوية الأشخاص، والى جانب ذلك مكن أيضا أعوان الشرطة القضائية بأمر من ضباط الشرطة القضائية وتحت مسؤوليتهم من التحقق من الهوية.

وضباط الشرطة القضائية قد حددتهم المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية، فيما أعوان الشرطة القضائية قد حددتهم المادة 25 من نفس القانون، وقد وسع المشرع من الفئات التي لها صفة عون الشرطة القضائية بأن منحها لكل من لا يحمل صفة ضابط شرطة قضائية من موظفي المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والدركيون.

ولابد من توضيح أن أعوان الشرطة القضائية لا يمكنهم التحقق من هوية الأشخاص الا بأمر من ضابط الشرطة القضائية وتحت مسؤوليته بمعني أنه على ضابط الشرطة القضائية ان يكون على علم بذلك وبأمر منه وتحت مسؤوليته، وهو ما يقتضي حسن تفعيل هذه المقتضيات والشروط, علما بأن اختصاصات أعوان الشرطة القضائية تنحصر في معاينة ومراقبة والتحقق من الهوية وإجراءات الاقتياد الى مركز الشرطة عند الاقتضاء في حين ان اشعار عائلة الشخص أو محاميه أو من يختاره أو ربط الاتصال بالنيابة العامة أو أخذ البصمات أو الصور واشعار وكيل الملك بها أو تحرير المحاضر فذلك من اختصاصات ضابط الشرطة القضائية فقط طبقا لمقتضيات المادة 9-3-82.

➢ شروط التحقق من الهوية:

✓ الشروط الموضوعية للتحقق من الهوية:

لقد حدد المشرع من خلال المواد 8/3/82 و9/3/82 و10/3/82 من قانون المسطرة الجنائية الشروط الموضوعية التي يمكن بتوفر احداها التحقق من هوية الأشخاص وهي في مجملها 06 شروط كتالي:

يمكن لضباط الشرطة القضائية، وبأمر من هؤلاء وتحت مسؤوليتهم، لأعوان الشرطة القضائية التحقق من هوية الأشخاص:

– المشتبه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم الجريمة، 

– أو الذين يشكلون تهديدا للأشخاص أو للممتلكات أو للأمن العام،

– أو الذين قد يتوفرون على معلومات مفيدة للبحث في جريمة، 

– أو موضوع أبحاث أو تدابير مأمور بها من قبل السلطات القضائية المختصة،

– أو الذي يرفض التعريف والإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليها،

– في حالة ما إذا أدلى بمعلومات غير صحيحة تتعلق بهويته،

ويمكن التطرق الى كل شرط منها على حدة:

– المشتبه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم الجريمة:

الشخص المشتبه فيه هو شخص يشتبه في ارتكابه لجريمة بمعنى بأنه ليس موضوع متابعة مسطرة في حقه بعد، وانما تحوم حوله أدلة أو قرائن قد تفيد ارتكابه أو محاولته ارتكاب لجريمة معينة، مما يقتضي من الشرطة القضائيةالتأكد من ذلك والبحث معه حولها.

وبالتالي يتعين على الشرطة القضائية كلما تبين بأن أحد الأشخاص يشتبه في ارتكابه أو محاولة ارتكابه لجريمة ما، أن تعمل على التحقق من هويته وإنجاز محضر بذلك واحالته على المصلحة الأمنية التي تتولى البحث في موضوع الجريمة موضوع الاشتباه عند الاقتضاء.

– الذين يشكلون تهديدا للأشخاص أو للممتلكات أو للأمن العام:

ان أولى أولويات المصالح الأمنية هي حماية أمن وأمان المجتمع واستتبابالاستقرار والسكينة وعدم المساس بالنظام العام، وبالتالي تسعى الى التصدي الى مختلف مظاهر الجريمة قبل وقوعها والحد من السلوكيات الشاذة المختلفة والعديدة التي تنتهك السكينة العامة ومن شانها تهديد سلامة المواطنين وممتلكاتهم واحداث اضطراب في المجتمع سواء المحلي أو الوطني أو الدولي.

وبالتالي يتعين على الشرطة القضائية كلما تبين لها بأن أحد الأشخاص يشكل تهديدا للأفراد أو الممتلكات أو للأمن العام أن تتحقق من هويته وإنجاز محضر بذلك واحالته على المصلحة الأمنية المختصة للبحث معه فيما قد ينسب له.

– الذين يتوفرون على معلومات مفيدة في التحريات والبحث في الجريمة:

نص المشرع في المادة 8-3-82 من قانون المسطرة الجنائية على أنه يمكن لضباط الشرطة القضائية، وبأمر من هؤلاء وتحت مسؤوليتهم، لأعوان الشرطة القضائية التحقق من هوية الأشخاص … أو الذين قد يتوفرون على معلومات مفيدة للبحث في جريمة“: وقد أشارت أيضا الى نفس المقتضى المادة 65: التي جاء في فقرتها الأولى أنه ” يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع أي شخص مفيد في التحريات من الابتعاد عن مكان وقوع الجريمة إلى أن تنتهي تحرياته...

فالمشرع مكن ضابط الشرطة القضائية من منع أي شخص يظهر له أنه مفيد في التحريات أو قد يتوفر على معلومات مفيدة في الجريمة كشهود الواقعة مثلا، منالابتعاد من مكانها الى أن تنتهي تحرياته وفي حالة قرر ضابط الشرطة القضائية ذلك فهو يكون ملزما بتطبيق المقتضيات المنصوص عليها في التحقق من الهوية في حق هذا الشخص. وتجدر الإشارة الى ملاحظة جد مهمة وهي أنه لا يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع الأشخاص من الابتعاد الا إذا تعلق الامر بارتكاب جريمة بمعنى وقوعها فعلا.

– الذين هم موضوع أبحاث أو تدابير مأمور بها من قبل السلطات القضائية المختصة:

أثناء أو بمناسبة قيامهم بمهامهم قد يكون عناصر الشرطة القضائية على علم بأن بعض الأشخاص هم موضوع برقيات بحث تنفيذا لتعليمات النيابة العامة أو أوامر بإلقاء القبض مثلا سواء صادرة عن المحكمة أو قاضي التحقيق أو قاضي تطبيق العقوبات كل فيما يخصه أو كونهم يشكلون موضوع أبحاث تقتضي الاستماع إليهم بناء على تعليمات النيابة العامة أو كونهم موضوع تدابير أمرت بها السلطة القضائية كالإحضار أو الاستدعاء أو القاء القبض… الى غير ذلك.

ففي هذه الحالات المختلفة يتعين اقتياد الشخص الى المصلحة الأمنية وعلى ضابط الشرطة القضائية المشرف على التحقق من الهوية انجاز محضر مستقل بذلك والتنسيق مع الجهة المشرفة على البحث للتأكد من استمرارية الإجراءات أو التدابير موضوع الاقتياد في حقه أو سبقية الاستغناء عنها, ففي هذه الحالة الأخيرة يتولى الضابط انجاز محضر التحقق من الهوية بجميع شكلياته والاشارة الى انتهاء التدابير أو الإجراءات التي كان مطلوب لأجلها ويخلى سبيله, وفيالحالة الأولى بمعنى استمراريتها فهنا يتم انجاز محضر التحقق من الهوية مستقلا ويحال المعني بالأمر على الضابط المكلف بالبحث أو تنفيذ التدابير المأمور بها لاتخاذ المتعين بخصوصها.

– الذي يرفض التعريف والإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليها:

سبقت الإشارة الى أن أول اجراء تقوم به الشرطة القضائية بضباطها وأعوانها هو طلب معاينة الهوية، وهو اجراء عادي لم يحطه المشرع باي مقتضيات خاصة،وقد يحدث أن يدلي المعني بالأمر بهويته في ظروف عادية ويتم تنقيطه عند الاقتضاء فلا يتبين ما يوجب انتظاره وترجع له بطاقة هويته.

غير أنه قد يرفض الشخص الادلاء بهويته لأي سبب كان أو قد يدلي بهوية الا أنه يتعذر التعرف عليها، كتلك التي تكون كل أو بعض بياناتها قد تلاشت بفعل عدم الاعتناء الجيد بالبطاقة أو تعرضها للتمزيق أو الاتلاف في بعض أجزائها مثلا، ففي الحالتين معا يتحول اجراء طلب معاينة الهوية الى عملية التحقق من الهوية ويمكن اقتياد الشخص الى مقر الشرطة القضائية للتحقق منها طبقا لما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 9-3-82.

– الذي يدلي بمعلومات غير صحيحة تتعلق بهويته:

لقد مكن المشرع الشرطة القضائية في حالة تبين ادلاء الشخص بمعلومات غير صحيحة تتعلق بهويته أن تتحقق من هويته طبقا لمقتضيات المادة 10-3-82, ففي كثير من الأحيان يطلب من بعض الأشخاص الادلاء بهويتهم فيدلون بهوية غير صحيحة أو ببطاقة تعريف تخص الغير   على أساس انها تخصهم وذلك تمويها للضابطة القضائية التي تكون فطنة بخبرتها بمثل هذه السلوكيات، فهنا يتعين التحري والبحث مع المعني بالأمر عن أسباب ودوافع قيامه بذلك والتي قد تكون لها غايات إجرامية لطمس حقائق قانونية أو التهرب من أبحاث جنائية.

وتجدر الإشارة الى انه في الكثير من الأحيان تصادف الشرطة القضائية بإدلاء الأشخاص بمعلومات غير صحيحة تتعلق بهوياتهم سواء عن خوف وهلع غير مرتبط بأي سوء نية أو عن سوء نية للتملص من المسؤولية الجنائية، غير ان هذه الأفعال تبقى خطيرة لان الادلاء بالهوية الكاذبة قد ينطبق بقصد من المعني بالأمراو صدفة على هوية صحيحة تتعلق بالغير، كأن يدعي كذبا بانه زيد بن عمرو للتملص من المسؤولية عن جريمة معينة فيحدث ان تتم متابعته من اجلها الا أنها تسجل فعليا في سجل السوابق القضائية الخاص بالشخص الذي انتحلت هويتهوالذي لم يرتكبها فعلا.

ونظرا لخطورة هذا السلوك الاجرامي فقد عاقب المشرع طبقا للفصل 385 من القانون الجنائي كل من انتحل لنفسه بغير حق اسما غير اسمه الحقيقي في ورقة عامة أو رسمية، كما شدد العقوبة طبقا للفصل 387 من نفس القانون في حق من انتحل اسم شخص اخر في ظروف ترتب عنها، أو كان من شأنها أن يترتب عنها تقييد حكم بالإدانة في السجل العدلي للسوابق لهذا الشخص.

✓ الشروط الإجرائية للتحقق من الهوية:

لابد من الإشارة أولا الى ان المشرع قد مكن الشرطة القضائية من اقتياد الشخص الذي يرفض الادلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليها وذلك الى مقر الشرطة القضائية من أجل التحقق من هويته، وبالتالي فينبغي استعمال الية الاقتياد في هذه الحالة بشكل مقيد وترشيد اللجوء اليها وبالتالي الحرص على عدم اقتياد الأشخاص الذين تم ايقافهم فقط لتحديد ومراقبة هويتهم بشكل عادي وأدلوا بهويتهم أو تمكنت الشرطة القضائية من التعرف عليها عبر الوسائل المحددة في المادة 9-3-82 وذلك عن طريق الاتصال بعائلته أو مشغله أو معارفه.

الى جانب ذلك أوجب المشرع احترام مدة التحقق من الهوية التي ينبغي الا تتجاوز الوقت الذي تتطلبه هذه العملية والتي يتعين الا تتجاوز في جميع الأحوال أربع ساعات تحتسب من لحظة إيقافه ويمكن تمديد هذه المدة عند الاقتضاء لأربع ساعات إضافية بإذن من وكيل الملك المختص، علما بأنه يمكن لوكيل الملك وفي أي لحظة أن يضع حدا لهذه العملية.

فضلا عن ذلك أوجب المشرع تحرير محضر بالتحقق من الهوية وحدد شكلياته، وذلك على الشكل التالي:

– شكليات تحرير محاضر التحقق من الهوية:

أوجب المشرع وحسب المادة 11-3-82 على ضابط الشرطة القضائية أن يحرر محضرا رسميا بشأن مراقبة والتحقق من الهوية، ولابد هنا من الإشارة الى ملاحظة جد مهمة رغم بديهيتها وهو أن تحرير محاضر مراقبة والتحقق من الهوية لا يتم الا إذا تم اقتياد الشخص الى مركز الشرطة وبمفهوم المخالفة فانه يتعين تحرير هذه المحاضر بشكل وجوبي كلما تم اقتياد الأشخاص الى مركز الشرطة ولو تعلق الامر بتحديد هوية لم يتم الادلاء بها أو التأكد منها الا بعد اقتياده الى المصلحة الأمنية.

– ملاحظة مهمة بخصوص تحرير المحاضر:

ولابد من اثارة ملاحظة جد مهمة وهي أنه ينبغي التمييز بين محضر التحقق من الهوية ومحضر البحث بشأن الجريمة التي قد تنسب للمعني بالأمر، بمعنى أنه في حالة تقرر اقتياد شخص ما الى المصلحة الأمنية للتحقق من هويته لتوفر أحد الشروط والأسباب المشار اليها أعلاه للتحقق من الهوية فينبغي في جميع الأحوال انجاز محضر التحقق من الهوية بشكل منفصل ومستقل عن محضر البحث المتعلق بالجريمة التي قد تنسب اليه.

وللتوضيح أكثر نسوق مثالا، لنفترض بأن ضابط الشرطة القضائية قد تبين له بأن أحد الأشخاص بالشارع العام الذي يكتظ بمستعمليه بصدد القيام بأعمال بهلوانية بواسطة سيارته ومن شان ذلك تهديد سلامة الأشخاص والأموال وأيضا فمن شأن ذلك أن يشكل تهديدا للأمن العام لأن ذلك سيخلق الرعب في نفوس المواطنين ويحدث بذلك اضطرابا, ففي هذه الحالة يتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يقتاده الى المصلحة الأمنية للتحقق من هويته, الا أنه قد يتبين بعد البحث والتحري في الملفات الانتظارية بأن المعني بالأمر مبحوث عنه من أجل جريمة ما أو كونه يتولى السياقة من دون رخصة أو تأمين.

ففي هذه الحالة يتعين في اعتقادي على ضابط الشرطة القضائية انجاز محضرمستقل خاص بالتحقق من الهوية في احترام تام للمدة المسموح بها قانونا تم احالته على ضابط الشرطة القضائية المختص الذي ستولى البحث معه وإنجاز محضر مستقل بخصوص ما اشتبه فيه من جرائم، مع التنسيق ما بين الضابطين للإحالة الفورية للمحضرين على وكيل الملك لاتخاذ المتعين بشأنهما.

– مضامين محضر التحقق من الهوية:

وينبغي على ضابط الشرطة القضائية التقيد في انجاز هذه المحاضر بما يلي: 

– تحديد الأسباب التي تم بموجبها مراقبة والتحقق من هوية الشخص، وبالتالي تحديد أي من الشروط المتوفرة والمبررة لذلك.

– تحديد الكيفية والشروط التي تمت بها عملية مراقبة والتحقق من الهوية.

– تحديد الإجراءات التي بوشرت من أجل التحقق من الهوية.

– تحديد ساعة إيقاف الشخص وساعة اقتياده الى مركز الشرطة وساعة إطلاق سراحه أو وضعه تحت الحراسة النظرية إذا اقتضى الأمر ذلك.

– تذييل هذه البيانات المضمنة بالمحضر بتوقيع الشخص المعني بالأمر أو ببصمته واما بالإشارة الى رفضه أو استحالته مع بيان أسباب الرفض أو الاستحالة.

– يتعين على ضابط الشرطة القضائية الحرص على الإحالة الفورية لهذه المحاضر على وكيل الملك وبمجرد الانتهاء من عملية التحقق من الهوية.

– ويتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يتقيد في المحضر المنجز بالإشارة الى اسم عون الشرطة القضائية الذي عمل على التحقق من الهوية وتوضيح أن ذلك كان بأمر منه وتحت مسؤوليتهم وتحديد تاريخ وساعة ذلكوساعة إيقاف الشخص وساعة اقتياده والإجراءات التي قام بها عون الشرطة القضائية للتحقق من الهوية قبل إحالة الشخص على ضابط الشرطة القضائية المحرر للمحضر كما يتقيد هذا الأخير بتضمين الإجراءات التي قام بها بشكل تفصيلي.

❖ الحقوق الخاصة بالأشخاص موضوع التحقق من الهوية:

فضلا عما تمت الإشارة اليه من ضمانات موضوعية واجرائيةترتبط بالشروط المتطلبة للتحقق من الهوية والمدة الزمنية المحددة لذلك وشكليات تحرير المحضر وضرورة اتلاف المحاضر المنجزة داخل أجل السنة من تاريخ إنجازها، فنجد أن المشرع مكن الأشخاص الذين تقرر التحقق من هويتهم من مجموعة من الضمانات المرتبطة بما يلي:

– حصر التحقق من الهوية على توفر شروط بحالات حصرية نص عليها المشرع وهي المشار اليها سابقا.

– تمكين الشخص المعني من اثبات هويته بكل الوسائل المشروعة وفق ما نصت عليه المادة 8-3-82 وبالتالي يمكنه اثباتها ببطاقة التعريف أو جواز السفر مثلا.

– عدم إمكانية اقتياد الشخص الى مقر المصلحة الأمنية الا بتوفر الشروط الموجبة للتحقق من الهوية.

– اشعار وكيل الملك بتدبير التحقق من الهوية 

– اشعار عائلة الشخص موضوع التحقق من الهوية أو محاميه أو كل شخص يختاره.

– اشعار ولي الامر إذا تعلق الامر بحدث وذلك فورا وفي اللحظة الأولى لإيقافهمع ضرورة الاستماع اليه بحضوره.

– احترام مدة التحقق من الهوية والمحدد في الوقت الذي تتطلبه العملية والذي يتعين الا يتجاوز في جميع الاحوال أربع ساعات تحتسب من لحظة الإيقاف مع امكانية تمديدها لنفس المدة بناء على اذن من وكيل الملك.

– تمكين وكيل الملك من وضع حد لعملية التحقق من الهوية في أي لحظة.

– ضرورة اشعار وكيل الملك قبل أخذ بصمات أصابع الشخص او بصماته الجينية او اخذ صوره من اجل التحقق من الهوية في حالة رفضه التعريف بهويته او في حالة ادلائه بمعلومات غير صحيحة تتعلق بها او في حالة تعذر التعرف على هويته بباقي الوسائل الأخرى.

– الإحالة الفورية لمحضر التحقق من الهوية على وكيل الملك بمجرد الانتهاء من هذه العملية.

❖ إجراءات النيابة العامة في تدبير محاضر التحقق من الهوية:

تتولى النيابة العامة تدبير هذه المحاضر وفرزها ودراستها وتتبع مالها، ومراقبة أجل السنة من تاريخ انجازها وبالتالي اتخاذ إجراءات اتلافها إذا لم تكن محل متابعة قضائية أو لم تكن موضوع بحث قضائي تم فتحه في مواجهة المعني بالأمر.

كما تجدر الإشارة الى ان النيابة العامة بعد دراستها لمحاضر التحقق من الهوية المتوصل بها قد تتخذ مجموعة من القرارات بخصوصها والتي تختلف باختلاف مضمونها ووقائعها وتصريحات أطرافها، وذلك كالتالي:

– إذا ظهر بأن المعني بالأمر الذي تم التحقق من هويته قد شكل موضوع مسطرة بحث من أجل احدى الجرائم والتي قم تتم متابعته من أجلها فهنا ينبغي عليها ضم محضر التحقق من الهوية لمحضر البحث الذي تبين أنه مطلوب فيه المعني بالأمر.

– إذا ظهر بان المعني بالأمر لا يشكل موضوع أي بحث أو جريمة غير أن محضر التحقق من الهوية ثبت من خلاله أن المعني بالأمر قد ارتكب مخالفة أو جنحة كرفض معاينة الهوية أو التحقق منها أو رفض الامتثال لتعليمات ضابط الشرطة القضائية بعدم الابتعاد من مكان الجريمة وبالتالي يعاقب طبقا للمادة 65 من قانون المسطرة الجنائية بغرامة من 2.000 إلى 5.000 درهم.

– اذا ظهر بأن المعني بالأمر غير حامل لبطاقة التعريف الوطنية أو لا يتوفر عليها وهو ما يقتضي متابعته من أجل ذلك طبقا لظهير 08/08/2020 القاضي بتنفيذ القانون رقم 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الالكترونية, علما بان هذا القانون أوجب في مادته الأولى على كل من بلغ 16 سنة شمسية كاملة التوفر على البطاقة الوطنية للتعريف الالكترونية والا اعتبر مرتكبا لمخالفة عدم التوفر عليها والمنصوص عليها وعلى عقوبتها في المادة 15 وذلك بغرامة من 300 الى 400 درهم, كما يمكن ان يعاقب عن عدم تجديدها بغرامة من 200 الى 300 درهم وفي حالة توفرها عليها غير انه لم يتمكن من تقديمها الى ضباط واعوان الشرطة القضائية بناء على طلبهم فيعاقب بغرامة من 100 الى 150 درهم.

– إذا ظهر بان التحقق من الهوية لم يسفر عن أي فعل جرمي بمعنى أنه تم التحقق من الهوية مثلا في إطار الاشتباه في ارتكاب أو محاولة ارتكاب جريمة الا أنه لم يثبت ذلك ولم تكن للمعني بالأمر اية علاقة بالجريمة، أو تم التحقق من الهوية في اطار الأشخاص الذين قد يتوفرون على معلومات مفيدة للبحث في جريمة، والذين ساعدوا العدالة بمعلوماتهم أو تبين بأنهم لا يتوفرون على معلومات مهمة تفيد في التحريات أو في البحث في الجريمة ففي هذه الحالات يتم اتخاذ قرار بحفظ محاضر التحقق من الهوية بعد الاطلاع عليها ولانعدام أي فعل جرمي, وفي هذه الحالة يتعين الاحتفاظ بهذه المحاضر التي تم حفظها الى حين مرور أجل السنة من تاريخ إنجازها وبالتالي اتلافها وتحرير محضر اتلاف يبين ظروفه وطريقته ومراجع وتواريخ ومواضيع وعدد هذه المحاضر.

وختاما ومن باب الاعتراف بالمجهودات، فإن كانت للمشتكي والمشتكى به والمشتبه فيه حقوق ينبغي أن تحترم، فان لسلطات انفاذ القانون كذلك جهود ينبغي أن تذكر فتشكر، وحقيقة فجهودهم جمة ولا يمكن حصرها أو تعدادها أو وصفها…فهم حماة القانون والعدالة والاستقرار الأمني وهم فرسان الحق الذين يعملون على تكريسه وتنزيله دون مباهاة أو تفاخر أو مجاهرة…, والحقيقة أن عملهم ينبغي فعلا أن يجاهر به حتى يعلم الجميع حجمه ومشاقه وأهميته …

فلكم يا سلطات انفاذ القانون كل التقدير والاحترام وكل الشكر والامتنان والثناء على مجهوداتكم الجبارة…فكما قال سيد الخلق أجمعين محمد صل الله عليه وسلم ” من لا يشكر الناس لا يشكر الله، و” لا يعرف الفضل لأهل الفضل الا أهل الفضل”

وكما قال الشاعر:

لو أنني أنشدت ألف قصيدة       لوجدتها في حقكم لا لن تفي

سيروا الى العلياء واقتادوا المنى      وامضوا الى الابداع دون توقف

شكرا لكم يرعاكم رب السماء        كونوا كجسم واحد متكاتف

وأخيرا نأمل أن تكون محاولتنا العلمية المتواضعة هذه مساهمة في تعليم الخير ونشره، والعلم خير، وقد قال فيه رسول الله صلى الله: ان الله وملائكته وأهل السماوات والارضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس خيرا”.

ويبقى شفيعا لنا بأننا حاولنا استثمار وجودنا لترك أثر يتحدث عنا، فكما قيل بأن «لكل إنسان وجود وأثر… ووجوده لا يغني عن أثره، ولكن أثره يدل على قيمة وجوده «ونلتمس العذر في كل نقص قد يطال هذه الدراسة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

مشاركة