بقلم: عبد السلام اسريفي
قصة بطريق غادر مجموعته ومشى وحيداً نحو المجهول، قبل أن يُعثر عليه ميتاً وسط الجليد، ليست مجرد حادثة في عالم الحيوان، بل حكاية فتحت باب التأويل على مصراعيه. فجأة، صار بطريق صغير مرآةً لأسئلة كبيرة عن الفقد، والعزلة، والاختيار، والقدر.
لماذا يترك بطريق جماعته، وهو كائن يعيش بمنطق القطيع والتكافل؟ لماذا يسير في اتجاه معاكس، في بيئة يعرف جيداً أن الخطأ فيها لا يُغتفر؟
العلم يحاول أن يجيب بلغة السلوك الحيواني: ربما مرض، ربما فقد القدرة على تحديد الاتجاه، ربما اختل توازنه البيولوجي أو تأثر بتغيرات مناخية أربكت غريزته. في الطبيعة، أحياناً خطأ صغير في البوصلة يعني نهاية الرحلة.
لكن الإنسان، بطبعه، لا يكتفي بالتفسير العلمي. هو يبحث عن المعنى.
فذهب البعض إلى أن البطريق فقد شريكته، فاختار عزلة لا رجعة منها. آخرون رأوا فيه كائناً سئم حياة الجماعة، فغامر بحريته ولو كانت قاتلة. وهناك من تخيله تائهاً، لا يدرك أنه يسير عكس الحياة نفسها.
الأكثر إيلاماً في القصة ليس موته، بل طريقته في الرحيل: لم يلتفت، لم يتردد، لم يرسل إشارة وداع. مشى بثبات، كأنه مقتنع بخياره، وكأن النهاية لم تكن مجهولة بالنسبة إليه بقدر ما كانت محسومة داخله. والمجموعة؟ واصلت حياتها. لا دراما، لا محاولة استرجاع، فقط قانون الطبيعة: القطيع يمضي.
هنا تتجاوز الحكاية حدود الجليد. كم من إنسان يهاجر وحده، يبتعد عن جماعته، عن محيطه، عن أمانه، مدفوعاً بشيء لا يراه الآخرون؟ حزن صامت، فقد غير مُعلن، تعب داخلي، أو مجرد رغبة في الهروب من ضجيج لا يُحتمل. الخارج يراه مغامراً، متمرداً، غريب الأطوار. هو فقط يعرف أنه لم يعد قادراً على البقاء حيث هو.
قصة البطريق تُذكّرنا بحقيقة قاسية: ليس كل من يرحل يريد الوصول، بعضهم يريد فقط الابتعاد.
وليست كل رحلة بحثاً عن مكان جديد، أحياناً تكون هروباً من شعور قديم.
بين تفسير العلم وتأويل القلب، سيبقى البطريق الذي هاجر وحده سؤالاً مفتوحاً:
هل كان تائهاً… أم كان يعرف تماماً إلى أين يمضي؟

