بقلم : معذ فاروق
حين ننظر إلى المشهد السياسي المحلي بمدينة سطات، نجد أن الأحزاب اليسارية لم تخرج عن النمط العام الذي يميز هذه التوجهات على الصعيد الوطني، حيث تقتصر أدوارها غالبًا على النقد والمعارضة دون القدرة على تقديم بدائل عملية قابلة للتنفيذ. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه الأحزاب على تجاوز خطابها التقليدي لتصبح قوة بناء حقيقية في الساحة المحلية. الأحزاب اليسارية بسطات جعلت من المعارضة “دورًا وظيفيًا” بدل أن يكون وسيلة مرحلية لمراقبة الأداء وتصحيح المسار. خطابها يركز دائمًا على تفكيك قرارات المجلس الجماعي أو انتقاد الفاعلين المحليين، لكنها نادرًا ما تقدم حلولًا واضحة أو برامج واقعية تلبي احتياجات الساكنة. هذا النمط جعلها حبيسة موقع “المراقب السلبي” بدل أن تكون فاعلًا إيجابيًا يشارك في صياغة البدائل وإيجاد حلول للتحديات الكبرى التي تواجه المدينة. في مدينة مثل سطات، التي تعاني من مشاكل بنيوية كضعف البنية التحتية، البطالة، وقلة المرافق الثقافية والاجتماعية، تحتاج الأحزاب إلى تجاوز مرحلة النقد نحو تقديم مشاريع ملموسة. لكن الأحزاب اليسارية غالبًا ما تُركّز على استثمار هذه الأزمات لزيادة شعبيتها أو لتوجيه اللوم للأحزاب الأخرى، بدل أن تكون جزءًا من الحل. مثال واضح على ذلك، هو أن هذه الأحزاب تتحدث عن ضعف التنمية في المدينة، لكنها لا تقدم مبادرات واضحة أو شراكات مع المجتمع المدني أو القطاع الخاص لتحريك عجلة التنمية. في سطات، تعاني الأحزاب اليسارية من غياب رؤية استراتيجية لإدارة الملفات الحيوية. على سبيل المثال، لم نرَ مقترحات جادة من هذه الأحزاب بشأن تحسين الخدمات الصحية في المدينة، رغم أنها من أبرز مشاكل الساكنة. لم تقدم تصورات مدروسة لحل إشكالات النقل أو البنية التحتية. لا توجد مبادرات ملموسة لدعم الشباب أو خلق فرص عمل، رغم أنها قضايا تمس شرائح واسعة من المجتمع. الأحزاب اليسارية بسطات تميل إلى خطاب شعبوي مبني على نقد السياسات القائمة دون تقديم بدائل عملية. هذا الخطاب يهدف إلى استقطاب الغاضبين من الوضع القائم، لكنه يظل خطابًا غير منتج، لأنه لا يتجاوز مرحلة النقد إلى التنفيذ. إذا أرادت الأحزاب اليسارية في سطات أن تُحدث فرقًا، فعليها الانتقال من النقد إلى البناء عبر تقديم مقترحات وبرامج واضحة وقابلة للتطبيق، والعمل على الميدان بدل التركيز على الخطابات العامة والانخراط في حل مشاكل الأحياء المهمشة والتواصل المباشر مع المواطنين. كما يجب عليها بناء تحالفات مع مختلف الفاعلين لتقديم حلول مشتركة بدل الاكتفاء بمواقف انعزالية، وتطوير الكفاءات عبر ضخ دماء جديدة داخل قياداتها قادرة على التفكير بعقلية عملية وليس فقط أيديولوجية. واقع الأحزاب اليسارية بسطات يعكس أزمة أعمق تتجاوز المدينة إلى السياق السياسي العام، حيث تظل هذه الأحزاب حبيسة دور المعارضة غير المنتجة. إذا استمرت في هذا النهج، فإنها ستفقد ما تبقى من ثقة المواطنين، لأن الساكنة تحتاج إلى أفعال ملموسة وليس فقط خطابات نقدية. مستقبل هذه الأحزاب يعتمد على قدرتها على تجاوز الشعارات وتقديم مشاريع حقيقية تنسجم مع تطلعات ساكنة سطات، التي لم تعد تنتظر من ينتقد، بل من يعمل.
الأحزاب اليسارية بسطات: بين خطاب المعارضة وعجز التنفيذ.

كتبه Srifi كتب في 27 يناير، 2025 - 10:53 صباحًا
مقالات ذات صلة
16 فبراير، 2026
التخفيض التلقائي للعقوبة: خطوة إصلاحية لتعزيز الإدماج وصون الكرامة الإنسانية
يشكل نظام التخفيض التلقائي للعقوبة إحدى أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 [...]
16 فبراير، 2026
الطبقة السياسية الدولية والأبعاد الأخلاقية والحقوقية للعلاقات الدولية:
الدكتور المصطفى قاسمياستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوريرئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية المقدمة تُعدّ الطبقة السياسية الدولية أحد [...]
15 فبراير، 2026
ما مدى احترام وسائل الإعلام لأخلاقيات المهنة خلال تغطية حملات تحرير الملك العمومي؟
بقلم:عشار أسامةتشكل حملات تحرير الملك العمومي التي تباشرها السلطات المحلية بعدد من المدن المغربية لحظة إعلامية حساسة، تتقاطع فيها رهانات [...]
14 فبراير، 2026
عائشة حموضة قيادية نقابيية من فلسطين: ” العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل شرط بقاء “
في ظلّ الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بفلسطين، والتي فاقمتها الحروب المتتالية والحصار المستمر، تبدو معاناة العمال الفلسطينيين في قلب [...]
