الرئيسية غير مصنف إشهاد من داخل السجن يعيد ترتيب معطيات ملف مقتل بدر… والاستئناف أمام امتحان الحقيقة

إشهاد من داخل السجن يعيد ترتيب معطيات ملف مقتل بدر… والاستئناف أمام امتحان الحقيقة

IMG 5550 1 scaled
كتبه كتب في 21 فبراير، 2026 - 5:44 مساءً

بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير نشر جريدة صوت العدالة

عاد ملف مقتل الشاب بدر إلى واجهة النقاش القضائي من جديد، بعد بروز إشهاد منسوب إلى السجين المسمى أمين رياض، يقر فيه – وفق ما تضمنته الوثيقة – بأنه هو من كان يقود السيارة التي صدمت الضحية، وأنه أخفى هذه الحقيقة عن مصالح الشرطة القضائية وعن قاضي التحقيق، مما ترتب عنه تحميل المسؤولية لشخص آخر.

هذا الإشهاد، الذي يحمل تأشير إدارة المؤسسة السجنية، لم يبقَ مجرد وثيقة متداولة، إذ باشرت عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بحثاً معمقاً بشأنه، للتحقق من ظروف تحريره، وما إن كان قد كتب تحت أي شكل من أشكال التهديد أو الضغط أو المساومة أو الترغيب. ووفق المعطيات المتوفرة، فقد خلصت الأبحاث إلى صحته من حيث الشكل، وإلى كونه صادراً بإرادة حرة لمحرره أمين رياض، دون إكراه أو تأثير، وهو ما يمنحه قيمة قانونية جدية تستوجب التفاعل القضائي معه.

غير أن التحول الأبرز في مسار الملف برز في مرحلة الاستئناف، حيث لعب دفاع المتهم أشرف دوراً محورياً في إعادة طرح الأسئلة الجوهرية التي أغفلت أو لم تحسم بالشكل الكافي في المرحلة الابتدائية. فقد تمسك الدفاع بضرورة مناقشة الشريط المصور من جديد أمام الهيئة، واستدعاء الشهود الذين وثقتهم الكاميرات، ومواجهة التصريحات بالمعطيات التقنية، مع التشبث بقاعدة أن المسؤولية الجنائية لا تبنى إلا على اليقين لا على الافتراض.

IMG 8815
Screenshot

دفاع أشرف سعى إلى المطالبة باحضار كل من حضر الواقعة من شهود اتباث و نفي و الضباط الذين حرروا المحضرين الاول و الثاني و طبيبة التشريح حتى يتسنى له تفكيك تسلسل الأحداث زمنياً، وإبراز أن موكله – بحسب الشريط والمعطيات – غادر مسرح الوقائع قبل لحظة اللكم و الدهس، وأنه لم يكن هو من يقود السيارة. كما شدد على انسجام شهادات بعض الشهود مع ما جاء في الإشهاد ومع ما وثقته كاميرات المراقبة، مطالباً بقراءة شاملة للوقائع بعيداً عن أي خلفية اجتماعية أو ضغط رأي عام.

وهنا تبرز أهمية المرحلة الاستئنافية باعتبارها محطة قانونية لإعادة تمحيص الملف بكامله، خاصة وأننا أمام هيئة مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، هيئة لا يمكن التأثير عليها لا إعلامياً ولا بأي اعتبارات خارج نطاق القانون، ولا تحكم إلا بما يعرض عليها من أدلة وقرائن ثابتة في الملف.

فالقضاء الاستئنافي ليس مجرد درجة ثانية، بل هو سلطة كاملة لإعادة مناقشة الوقائع والقانون معاً، وهو ما يمنح الدفاع فرصة مشروعة لإبراز كل المعطيات الجديدة، وفي مقدمتها الإشهاد موضوع البحث، والشريط المصور، وتصريحات الشهود، وربطها في إطار قانوني منسجم.

القضية اليوم لم تعد مجرد جدل إعلامي أو سجال اجتماعي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لميزان العدالة. فالقرائن و الكاميرا و شهادة الشهود تؤكد أن أشرف لم يكن يقود السيارة، ولم يشارك في فعل اللكم و الدهس، فإن قواعد القانون الجنائي واضحة في تحديد نطاق الفعل الأصلي والمشاركة، و بالتالي لا يمكن تحميل شخص مسؤولية جناية لم يثبت قيامه بأركانها المادية والمعنوية.

فالعدالة لا تنحاز لأسماء ولا لألقاب، ولا تتأثر بعناوين مثيرة، بل تبحث عن الحقيقة المجردة. وإن كان الإشهاد قد صدر بإرادة حرة، وإن كانت المعطيات التقنية والشهادات تنسجم معه، فإن الواجب القانوني يقتضي إعادة بناء القناعة القضائية على ضوء هذه المستجدات.

يبقى الأمل معقوداً على أن تقول هيئة الاستئناف كلمتها بعد فحص كل الأدلة بميزان القانون وحده، لأن العدالة حين تكتمل صورتها لا تنتصر لشخص، بل تنتصر للحقيقة وحدها

مشاركة