بقلم: عبد السلام اسريفي | رئيس التحرير
إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي عادي، ولا كقرار شخصي معزول عن السياق العام، بل هو مؤشر سياسي قوي على دخول المشهد الحزبي المغربي مرحلة إعادة تموقع عميقة، تفرضها تحولات داخلية وضغوط وطنية ورهانات مستقبلية غير مسبوقة.
أخنوش، الذي قاد الحزب من الهامش إلى صدارة المشهد السياسي، ونجح في إيصال الأحرار إلى رئاسة الحكومة، يدرك أكثر من غيره أن الاستمرار في القيادة لم يعد مكسباً سياسياً صافياً، بل بات عبئاً رمزياً وثقلاً سياسياً في ظل ظرفية اجتماعية واقتصادية معقدة، تتسم بارتفاع منسوب الاحتقان وتزايد مطالب الفئات المتضررة من كلفة الإصلاحات.
من هذا المنطلق، يبدو قرار عدم الترشح أقرب إلى انسحاب محسوب منه إلى تراجع مفروض. انسحاب يهدف إلى حماية الحزب من استنزاف سياسي محتمل، وفتح الباب أمام عملية تجديد داخلية قد تعيد للأحرار هامش المناورة الذي فقده وهو في قلب السلطة. فالسلطة، في السياق المغربي، ليست دائماً امتيازاً انتخابياً، بل كثيراً ما تتحول إلى عبء انتخابي ثقيل.
غير أن الجرأة الحقيقية لا تكمن فقط في مغادرة القيادة، بل في السؤال الأعمق: هل يمتلك حزب التجمع الوطني للأحرار فعلاً نخبة سياسية جاهزة لتحمل المرحلة؟ وهل التجديد المرتقب سيكون تجديداً في الأسماء فقط، أم في الخطاب والرؤية وآليات الاشتغال؟ فالمغاربة لا ينتظرون تغيير الواجهات بقدر ما ينتظرون تغيير السياسات والنتائج.
الأكثر حساسية في هذا التحول، هو ما يرتبط بمستقبل رئاسة الحكومة. فحتى في حال تصدر الأحرار نتائج الانتخابات المقبلة، لم يعد من المسلّم به أن يقودها أخنوش. المرحلة القادمة، بما تحمله من استحقاقات كبرى، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم، تتطلب رئيس حكومة بملامح مختلفة: قائد سياسي بقدرة تواصلية عالية، ونَفَس اجتماعي واضح، وكفاءة تدبيرية قادرة على الجمع بين سرعة الإنجاز والاستقرار الاجتماعي.
في العمق، قرار أخنوش يفتح نقاشاً ضرورياً حول حدود التلازم بين الحزب والدولة، وحول كلفة الاستمرار في السلطة دون تجديد فعلي. وهو نقاش يتجاوز شخص أخنوش، ليطال مجمل النخب الحزبية التي لا تزال تتعامل مع القيادة باعتبارها امتيازاً دائماً، لا مسؤولية ظرفية.
قد يربح الأحرار رهان التجديد إن أحسنوا قراءة اللحظة، وقد يدفعون ثمنها إن اكتفوا بإعادة تدوير نفس المنطق بوجوه جديدة. أما المؤكد، فهو أن السياسة المغربية دخلت مرحلة لا ترحم الجمود، ولا تكافئ من يراهن على الزمن دون مراجعة.
الخروج أحياناً، ليس هزيمة… بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

