الرئيسية أحداث المجتمع على هامش تداعيات الفيلم الوثائقي: زوايا الصحراء… زوايا وطن…

على هامش تداعيات الفيلم الوثائقي: زوايا الصحراء… زوايا وطن…

كتبه كتب في 31 ديسمبر، 2022 - 5:23 مساءً

صوت العدالة- مجتمع

أي أفق وصلة تؤسس لها الأفلام السينمائية والوثائقية حول المجال الصحراوي الحساني وثقافته؟

إن الصلات التي كان من المفترض –حقّا- أن تعقدها الصناعة السينمائية الوثائقية مع ثالوث «الثقافة الحسّانية» و«التاريخ الجهوي» و«المجال الصحراوي الحساني» هي صلات «التوثيق» و«التسجيل» و«المعالجة» الخلاقة والأمينة لهذا الثالوث ومتعلقاته بواقعية إبداعية ساحرة، وموضوعية علمية صارمة، واحترافية مدروسة لدى أهل الاختصاص، تستفيد من تقنيات الصناعة السينمائية وتراكم تجاربها الفنية والإبداعية، وتتغذَّى على الموثوق من المعلومات والمعطيات والصحيح من إفادات الأخبار والروايات… وتحرص في الآن نفسه -كل الحرص- على احترام «ذوق» المشاهد العام، و«خواصِّ» ذهنيته ومقوماتها الفكرية، و«حِسِّ» سلوكه وأساليبه، واستحضار حساسية حجم تقدير رأسماله الثقافي والتاريخي والاجتماعي الذي يَعُدُّه جزءًا من كينونته ووجوده، وهويته ووجدانه… وذلك على نحو لا تَمُسُّ فيه –بأي شكل من الأشكال- هذه «الصناعة الفنية الجديدة» و«منجزها الوثائقي» بـ «ذاته» و«تاريخه» و«ثقافته» و«مجاله» و«موروثاته وآدابها» إلخ… فهذه الصناعة بالصحراء وحولها يجب أن تؤسس لعلاقات «دافئة» وصلات «وثيقة» بينها وبين هذا المجتمع الذي لم يألف في معهود معارفه وعاداته الثقافية البيظانية «ثقافة الصورة» (السينما وغيرها)… وأن تنأى عن كل ما من شأنه أن يدخلها (والمشتغلين بها) في متاهات الصِّدام والرَّفض، والتَّعرُّضِ والسِّجال إلخ…

ولئن كانت الأشرطة (الأفلام) السينمائية الوثائقية قد شدَّها فضول الاشتغال والاهتمام بمواضيع وتيمات تتعلق بـ “التاريخ والثقافة والمجال” الحساني بالصحراء لغوايتها وعذريتها وأخذت تتنامى الأعمال المنجزة حولها –رغم تمايز قيمتها وأهميتها- فإن صندوق الدعم الخاص الذي أفرده “المركز السينمائي المغربي” –رغم ضعف ميزانيته- تشجيعا ودعما لمثل هذه الأعمال قد كان بدوره مُغريًّا ومُحفِّزًا للكثير من المنتجين وصناع هذه الأفلام على افتراع هذا الثالوث وحقول منابته للاستفادة من هذا التموين والدعم بكل الوسائل المتاحة (ولو على حساب قيمة العمل)… الأمر الذي من الطبيعي أن ينشأ عنه تمايز كبير بين قيمة هذا الأعمال ومردودية نَفْعِهَا، وتباين واضح بين أهمية هذه الأعمال وحجم فائدتها، واختلاف قوي بين مستويات كتابة سيناريوهاتها وعُمقِ رؤيتها الإخراجية والفنية…

وإذا كان هذا المجال الجغرافي (الصحراء) الساحر، بتاريخه الحضاري العميق والغني، وبثراء ثقافته المتفردة، وبتنوع تراثه وميراثه، وبتعدد بُنى مجتمعه وتناغمها، قد أوليت له عناية (في حاجة إلى المزيد من الأجرأة والجرأة) لتثمينه ورد الاعتبار إليه والاهتمام به وصونه وحفظه، وانخرط «المركز السينمائي المغربي» في هذا الورش الثقافي المفتوح، فإن الكثير من هذه الأعمال السينمائية (الأشرطة) للأسف الشديد –مع وجود بعض الاستثناءات المعدودة- لم تنخرط في «خدمة» هذه المقاصد وجوانبها المختلفة كما ينتظره “أبناء” هذه الأقاليم، بل عمدت إلى تمرير بعض الأفكار والمغالطات المسكونة بهواجس «خلفيات اجتماعية» و«إديولوجيات ثقافية» وفكرية تحت “لبوسات” مختلفة تتصيّدُ مساحة كل “عمل وثائقي”؟ وقد تابعنا بعض هذه الأعمال –خلال السنوات الأخيرة- التي لا ينأى فيها بعض هؤلاء المنتجين وكُتَّابُ السيناريو والمخرجين عن “تصريف” بعض هذه “العُقَدِ” الثقافية والاجتماعية والتاريخية من «إثارة» بعض الموضوعات و«الركوب عليها» أو «استجداء» بعض “الباحثين” أو “أشباههم” من المستجوبين على «المقاس الإيديولوجي» لتمرير بعض المغالطات والأفكار المسمومة أو لتحقيق بعض «الغايات الفجّة» من قبيل زرع “التشكيك” و”الطعن”… وإذكاء نار “الفتنة” بأساليب “الاستخفاف” و”الاستهجان” و”الإنكار”… وإشاعة مظاهر “التمييع” و”التهجين”… وهَتْكِ أستار المشترك وخلخلة الثابت والمألوف ومج الذوق العام… واعتبار كل ذلك ليس إلا نوعا من “الاجتهاد” و”الجدة” وممارسة “التأويل” و”القراءة” التي تسعى الصناعة السينمائية الوثائقية إلى بلوغها (الإثارة والتشويق)، وهي في الحقيقة ليست كلها إلا مساعيّا تروم “الهدم” لا “البناء”، وجعل الصناعة السينمائية حول المجال الصحراوي الحساني “مساحة” لإشاعة “قيّم” الابتذال والمسخ، وصناعة “رأي عام” جديد على مقاس “موجه” (كاتب السيناريو) و”منتج” و”مخرج” هذه الأعمال الوثائقية…

وعليه، فقد تبدّى للمشاهد -كما المتابعين- أن «شهية» هذا «الدعم والتموين» و«التشجيع والتحفيز» المخصص لهذا “الحيّز الثقافي” أو “المجالي الصحراوي” قد دفع بالكثير من «شركات الإنتاج» و«السيناريست» و«المخرجين» إلى «اقتحام» عوالم هذه الجغرافيا وثالوثها (التاريخ/الثقافة/المجال) من مداخل عدة، وبمسوغات مختلفة، توجهها «خلفيات» ثقافية وذهنية واجتماعية متباينة، و«إيديولوجيات» فكرية ومعرفية متمايزة، مما عرّض هذا «الاهتمام» بها، وأشابَ «مقاصده الفضلى»، لـ «للمجّ والابتذال والتمييع والتهجين» إلخ… وأزاغه عن “غاياته المنشودة” أو “المنتظرة” التي يتطلع إليها أبناء هذه الثقافة المجالية… وهذا أمر ينبغي للقائمين على هذه “المؤسسة العمومية” أن يسجلونه ويراعون محاذير مخاطره الكبرى وتداعياتها الممكنة أو المحتملة وغير المطمئنة…

إن تنامي هذه “الظاهرة المرصودة” في بعض هذه الأعمال السينمائية الوثائقية المنجزة حول بعض تيمات هذا المجال الصحراوي الحساني (وبغيرها من مواقع التواصل أو الإعلام الاجتماعي (السوشيال ميديا Social Media) قد صارت –فعلا- تفتح نقاشا “حادا” في أوساط أفراد المجتمع ونخبته المثقفة حول مدى نجاعة وفاعلية التدابير التي يمكن أن تتخذ في سبيل وقف “صناعة الخلط والأغلاط” التي بدأت تتسرب إلى “الصناعة السينمائية” حول الصحراء… وأهمية التفكير في بلورة “رؤى وتصورات” إصلاحية جادة وصارمة تُوقف “فوضى” هذا “العبث” و”التسابق” و”التنافس غير الشريف” حول إنجاز الفيلم السينمائي والوثائقي على نحو “معقلن” و”مدروس” يستفيد من مقدرات أكاديمي وباحثي المنطقة العلمية، وخبراء ثقافتها الخاصة، وموسوعية تجارب أدبائها، وذهنية العارفين بشأن عاداتها وأحوالها العامة فيما يتعلق بموضوع “انتقاء” مشاريع هذه الأعمال، و”تحكيمها”، و”مراجعتها”، و”تدقيق” مادتها ومشاهدها إلخ…

وإذا كان “غياب” هذه “الرؤية التشاركية” الحريصة على خدمة “المجال” و”الثقافة” و”التاريخ” بالصحراء جعل الباب مُشرعًا على تقديم وإنجاز “أي شيء” من “أي كان”، وقَبُول “أي شيء” وراءه “الشركة الفلانية” أو “المخرج الفلاني” أو “الجهة الفلانية” أو “السيناريست الفلاني”، بل وأدّى إلى الوقوع في بعض “السقطات الفادحة” و”الأخطاء القاتلة” التي أدخلت هذه “الأعمال السينمائية” في مواجهة “مجتمع المشاهدين” بهذه الربوع، لعل أبرزها ظهورا ورفضا وتصدِّيا لمثل هذه “الأخطاء” و”الإساءات” حادثة جدل الفيلم الأخير “زوايا الصحراء… زوايا وطن” (للمخرجة مجيدة بن كيران، سيناريو عامر الشرقي، إنتاج شركة Fanne prof) الذي عُرضَ ضمن فعاليات «مهرجان العيون للفيلم الوثائقي حول الثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني» بمدينة العيون مساء يوم الخميس 22 دجنبر 2022 بقصر المؤتمرات، والذي تضمن مقطعا لأحد المستجوبين (باحث غير محقق ولا نسّابة) فيه “إشارات غير علمية” و”لا أكاديمية” أساء فيها الأدب والتأدب في التعامل مع أحد أشهر أقطاب الصحراء الدينية والروحية المشهورة، المعروفة –بحجة التاريخ المكتوب والشفهي- بالورع والصلاح والولاية والنسب الشريف والذرية الصالحة، فكان “كلامه” عنه رحمه الله مُلْقًى على عواهنه، خواء في خواء لا حجة له فيه ((فهل كانت هذه الخرجة بريئة؟ وهل كان اعتمادها إخراجيا مقصودا؟ خاصة وأن كاتب السيناريو أنكر وجود هذا المقطع (المشهد) في نصه؟ وحتى عدم اقتراحه لاسم هذا الباحث الذي لا معرفة له مسبقة به؟))، كان على الأقل –احتراما للموضوعية والحس الأكاديمي والمسافة المطلوبة- أن يُدلي الباحث بالنص التاريخي (الموثوق فيه) حول الموضوع كما كان يفترض على “المخرجة” أن “تقابل كلام” هذا الباحث بـ “كلام” من يرد عليه في ذات الموضوع، فأين هي أحوال ثوابت الموضوعية وضوابط التحقيق ووجوه التدقيق (براءة المخرجة) في المسألة بالشريط؟

والذي ينبغي أن يعلمه “الباحث” و”المخرجة” و”المتابع” و”غيرهم” أن الشيخ سيدي أحمد الرگيبي (مول الحبشي) كان قطب عصره وزمانه، وأعجوبة دهره وأوانه، وحجة قطره وجوهرة أقرانه، ورعا وتقوى ودينا وعلما وصلاحا وزهدا، عظيم القدر، عالي الشأن، أربت أنواره على الفجر، وقد أجمعت كل المصادر التاريخية والمظان الإخبارية المتداولة في الصحراء وخارجها على نسبه “الشريف” الذي ترتفع سلسلته إلى عبد الكريم بن عبد السلام الملقب بابن امشيش، ومنه إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عله وسلم. وشجرة نسبه هاته ثابتة ومعلومة وموجودة ومطردة لم يطعن فيها أي من النّسابة والمؤرخين المحققين (وهذا وجه المفارقة بينه وبين الباحث النكرة). كان رحمه الله من رجالات القرن القرن السابع عشر الميلادي، وله زاوية مشهورة وأعقب ذرية وافرة ورثت عنه العلم والصلاح والولاية والدين والجهاد وبصمت التاريخ الجهوي للمنطقة وأحوازها، ومنها ما أنشأت زوايا لها على مقربة من أضرحتهم الموقرة والمنتشرة بوادي الساقية الحمراء وغيرها… فما الذي يجعل علما كهذا وعلى هذا القدر من المنزلة والمقام وذريته عُرضةً للمساس بشرفه وصُلبِه وتاريخه؟ وبأي حال من الأحوال نقبل –نحن الباحثون بالمنطقة- بهذا التّجنِّي والتحريف والاستخفاف والطعن في علم من أعلام هذه الربوع برمتها على لسان “باحث” لا يعلم من تاريخ الصحراء ورجالاتها وقبائلها وثوابتها شيئا، ما عدا ما بلغه بـ “الواسطة” ممن يمهرون صناعة التخاريف والكذب والبهتان من أشباه الباحثين وبحوثهم الصفراء وأهل الرواية الضعيفة والشاذة؟

إن حاجتنا (كأفراد ومجتمع) بهذه الربوع الصحراوية إلى “السينما” و”الفيلم الوثائقي” قوية جدا وكبيرة وملحة، ونتطلع إلى أن تؤسس لـ “ثقة متبادلة” بينها وبين المشاهدين على نحو يحترم وجودهم، وتاريخهم ورموزه، وثقافتهم ومختلف تمظهراتها، وأن تنأى بنفسها عن المساس بثوابتهم وتعريض تاريخهم للتزوير والتحريف، ورجالاته وأعلامه للتشهير والطعن عدم التوقير، وثقافتهم للتهجين والفلكرة، وعاداتهم وتقاليدهم للمسخ وما شابه ذلك…

إن التحدِّي المطروح على المركز السينمائي المغربي وباقي مؤسسات الدولة المنخرطة في تثمين ثقافة هذه الجهات وإرثها التاريخي والحضاري العام هو العمل على وضع استراتيجيات ذات فعالية وخدمة تكون في مستوى تطلعات الزمن الثقافي الراهن وأسئلته الكبرى المطروحة لدى أبناءه المثقفين والباحثين والمهتمين بهذا الشأن، وأن تطرح “ضوابط” و”قواعد” صارمة و”ميثاق شرف مهني وأخلاقي” يؤطر عمل المشتغلين بهذا المجال وموروثاته وينأى بهذه المؤسسات عن “التورُّطِ” و”الوقوع” في مثل صنائع هذه الشركات والمنتجين والمخرجين والسينارست والباحثين وما قد تخلقه من ردود أفعال السخط والتذمر وعدم الرضى…

إن العقل الجمعي لسكان هذه الربوع في حاجة إلى التقدير والمزيد من الفهم والاستيعاب والإدراك، فله خواصُّه التي تؤطرها أنساق متعددة، ومن ثمة “يجب مخاطبة العقل الجمعي بالتدرج لأن الصدمة ستخرج الجميع من الدِّين” والسينما…
بقلم: د. سويدي تمكليت
باحث حول المجال الحساني الصحراوي وثقافته
مدينة بنسليمان يوم الأحد 25 دجنبر 2022

مشاركة