الرئيسية أحداث المجتمع سليمة فراجي: الغش ظاهرة اجتماعية مَرَضية

سليمة فراجي: الغش ظاهرة اجتماعية مَرَضية

IMG 20190616 WA0096.jpg
كتبه كتب في 16 يونيو، 2019 - 11:08 مساءً

صوت العدالة – مكتب الرباط

إن تنامي ظاهرة الغش في الامتحانات نتيجة حتمية، بسبب انهيار منظومة القيم التي ناضل من اجل إرسائها آباؤنا وأجدادنا عبر التاريخ، وهرولة الجميع إلى التسلق الطبقي وتقلد المناصب دون التوفر على المكنة الحقيقية والكفاءة اللازمة، وعدم وضوح الرؤيا حول الهوية والقيم المشتركة بين أفراد الوطن الواحد.

وهذا التشتت والتيهان مرتبط بغياب تنشئة اجتماعية سوية داخل الاسرة والمدرسة والمحيط العائلي، والأحزاب السياسية التي تحولت الى اجهزة تبحث عن الخزان الانتخابي المرحلي، وتخلت عن الدور التأطيري والتكويني منتصرة لاصحاب النفوذ والمال، من أجل الاغتناء الشخصي والصمود على الكراسي، والمجتمع المدني الذي تخلى عن دوره الريادي في مجال غرس القيم والأخلاق، وحصره في المطالبة بالدعم المادي، لقضاء مصالح شخصية.

كل هذه العوامل لم تساهم في تقديم نموذج مواطن مغربي سوي، هذا إضافة الى تدني البرامج والمناهل التعليمية وتقديم تجارب فاشلة لكل مسؤول يفد على قطاع التعليم، بل ان جل هؤلاء المسؤولين يحرصون على تعليم وتكوين ابنائهم خارج ارض الوطن لعدم اقتناعهم بما يصوغونه ويقترحونه لفلذات أكباد الوطن.

ولعل تفشي ظاهرة الغش جعل البعض ينتفض ضد القانون 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية خلال الولاية البرلمانية السابقة، الذي دخل حاليا حيز التنفيذ وجرم الغش في الامتحان وتسريب مواضيع الامتحانات، لعلمهم ان الغش اصبح مشاعا وله مفعول السحر، وتيسير الولوج الى الادارة وتسلق الدرجات دونما مجهود يذكر، وكم جعل من منعدمي الكفاءة في اعلى درجات المسؤولية.

ناهيك عن الانحرافات الخطيرة المتمثلة في الحصول على دبلومات بالغش وتقلد مسؤوليات بمستويات متدنية لا تخدم المجتمع في شيء، بالاضافة الى العزوف الممنهج والإرادي واللاارادي عن قراءة الكتب، وما استتبع ذلك من تردي مستوى الكتابة والتحرير وايصال الأفكار ومعرفة تاريخ ومنجزات الدول.

اذا أضفنا الى كل ذلك الضعف المواطناتي لأجيال ما بعد الحصول على الاستقلال، لان ما كان يجمع الآباء والاجداد هو تحرير الوطن من الاستعمار، فأصبح هاجس احفادهم هو مغادرة الوطن او تدمير الوطن، كنتيجة حتمية لتكوين ناقص عن درجة الاعتبار وتشتت هوياتي وفوارق اجتماعية صارخة ناتجة عن التوزيع غير العادل للثروات وتفشي البطالة واللجوء الى الحبوب المهلوسة المسبب الرئيسي لارتكاب الجرائم الفظيعة وعجز السياسات الحكومية عن مواجهة المعضلات وعدم اكتراث نواب الأمة بما يجري تبعا لتزكية الاحزاب لمن هو غير أهل للتمثيلية على رأسها حرقة الوطن وهدف المساءلة والمراقبة من اجل وطن يتسع للجميع.

الاكثر من ذلك فان بعض المدافعين عن حقوق الانسان هم منتهكوها بالأساس، وان بعض النساء المدافعات عن حقوق الطفل يشغلن القاصرات في العمالة المنزلية وما ينتج عن ذلك من سوء المعاملة والتعرض للاعتداءات الجنسية والحرمان من التمدرس والتكوين والولادة المبكرة، وإنتاج جيل من الأطفال المنحرفين يجوبون الشوارع بدون هدف باستثناء تناول المخدرات وارتكاب جرائم الاموال والأشخاص واحيانا الانتصار للتعصب وزرع الكراهية، ولم لا التحول الى أدوات ارهاب واقتتال لفائدة جهات خفية لها مصلحة في ذلك، طبقا لقاعدة المحروم الغاضب اداة في يد العدو متى لم يكن محصنا بالمبادئ والقيم، هذه المبادئ التي تخلى المجتمع عن تلقينها لجيل الفاسبوك وقنوات التواصل الاجتماعي!

اذا أضفنا لذلك كله اكتفاء الناشئة بتتبع المسلسلات التلفزية والعاب الألواح الإلكترونية والقنوات الفضائية المركزة على الترهيب والتذكير بعذاب القبر والتفنن في أساليب الكراهية والتخندق.

موازاة بذلك اعتبار قطاعات الرياضة والثقافة في المغرب ثانوية وغير مسندة لذوي الاختصاص الشيء الذي نتج عنه إعدام الإبداع وتقزيم الفنانين ولا نتحدث عن تشجيعهم لان ذلك من سابع المستحيلات، وفشل سياسة ملاعب القرب ومركبات الترفيه لان هذه المركبات والملاعب هي ملاذ للشباب والمراهقين من اجل تفريغ الطاقات، واكتساب المهارات الرياضية والثقافية خصوصا في الاحياء المهمشة والعالم القروي بدل التركيز على الشذوذ الجنسي وتناول الحبوب المهلوسة وصيرورة شباب مستقبل البلاد وحوش آدمية مدمرة للمجتمع بكل مقوماته.

لذلك الم يحن الوقت لصحوة مواطنة لإنقاذ ما يمكن انقاذه؟ لماذا لا ندق ناقوس الخطر وننتفض ضد طوفان الغش والرداءة والأنانية ونكف عن تدمير الوطن؟ لماذا لا نعترف بأخطائنا؟ ونشخص الداء قصد علاجه نهائيا بدل تقديم مسكنات الباراصيطامول بطريقة عشوائية من اجل تخفيف الآلام، لان التقدم لا يكون الا اجتماعيا يحقق العدل للجميع وان السبيل الوحيد الى التنمية هو العلم، وإذا بنينا ركائزنا عن طريق الغش والمحاباة والتفنن في منح ديبلومات وشواهد عليا فارغة من محتواها بل احيانا لا يكلف الحاصل عليها نفسه حتى عناء قراءتها واستيعاب محتواها، كانت الأركان واهية ومصيرها الانهيار، علما ان الغش وازدراء الوطن والأنانية وتعظيم الذات، وتحمل المسؤوليات الجسام دون كفاءة ومؤهلات، لا تقتصر على هذا او ذاك او نائب أمة او مسؤول سام او منتخب او معين وإنما تسري على جميع أفراد المجتمع بل احيانا يطالب ويحتج أولياء الامر لما يتعلق الامر بالتشديد في الحراسة لمنع الغش لانه حسب قناعاتهم ان الجميع يتعاطى للغش وان حرمان ابنائهم منه هو عدم تكافؤ للفرص وأصبح الأساتذة حراس الامتحانات مهددين بالتعنيف احيانا ان هم اخلصوا في الحراسة وضبط المتلبسين بالغش.

وبالتالي اصبح مدعاة للشرعنة بل اصبح البعض يخترع وسائل غش متطورة مثال ذلك ما يتم ترويجه من قمصان متطورة موصولة بسماعات رقمية موجهة إلى المترشحين الراغبين في ارتكاب أعمال الغش في الامتحانات.

واذا كانت الدول المتقدمة التي بصمت محطات التاريخ برقيها واختراعاتها وقدمت نماذج تنموية ناجحة فانها تسلحت لا محالة بالقيم والأخلاق، في اليابان مثلا تدرس مادة من أولى ابتدائي الى السادسة ابتدائي اسمها طريق الى الأخلاق يلقنون فيها الأخلاق للتلاميذ وطريقة تعاملهم مع الناس كما لا ﻳﻮﺟﺪ ﺭﺳﻮﺏ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻰ ﺍﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺇﻟﻰ ﺛﺎﻟﺚ ﻣﺘﻮﺳﻂ، ﻷ‌ﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﻭﻏﺮﺱ ﺍﻟﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﻭﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ.

لنفهم ان الاستمرار في طريق الغش سواء تعلق الامر بالغش في الامتحانات من اجل نيل شواهد غير مستحقة ولا تعبر عن مستوى الحاصلين عليها، او غش من يعمد الى تسريب مواضيع الامتحانات او محاباة البعض للتمكين من الشواهد بدون وجه حق، او حصول المسؤولين ذوي المناصب العليا او المنتخبين على شواهد دون بذلهم اي مجهوذ عن طريق المحاباة او بذل المال كلها أمور مرفوضة ولا تمكن بلادنا من السير قدما الى الامام لان ما بني على الباطل فهو باطل كما انها لا تعطي للناشئة مُثلا عليا يتم الاقتداء بها بل تجعل الناشئة تتأقلم مع هذا الوضع المرضي المسيء الى تطور وتنمية البلاد.

مشاركة