صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
في زمنٍ تحوّلت فيه كرة القدم عند البعض إلى ساحة لتفريغ الأحقاد وتصفية الحسابات السياسية والجغرافية، يأتي مشهد بسيط، عفوي، ليعيد ترتيب المعنى الحقيقي للعبة. بعد صافرة نهاية مباراة المغرب والكاميرون، لم يكن الفوز بثنائية نظيفة هو الحدث الأبرز، بل ذاك العناق الصادق الذي بادر به نصير مزراوي تجاه زميله في مانشستر يونايتد مبيومو ، في لحظة إنسانية كسرت كل القوالب الجاهزة.
ذلك العناق لم يكن حركة بروتوكولية ولا بحثًا عن صورة، بل رسالة قوية لمن يصرّون على تحويل الملاعب إلى منابر للتشنج والكراهية. رسالة تقول إن المنافسة تنتهي مع صافرة الحكم، وإن القيم تبقى. فحين يخسر لاعب، لا يخسر كرامته، وحين يفوز آخر، لا يسقط في فخ الشماتة.
المؤلم أن بعض المنتخبات والإعلاميين يصرّون على شحن الجماهير بخطابات متجاوزة، يلبسون الهزيمة لباس “المؤامرة”، ويحوّلون الفوز إلى أداة استعلاء، ويجرّون كرة القدم إلى مستنقعات السياسة والهوية الضيقة. في المقابل، اختار مزراوي أن يرد بالفعل لا بالكلام، وبالصورة لا بالخطاب، وبالإنسانية لا بالشعارات.
ما فعله مزراوي يختصر معنى الرياضة الحقيقية: التنافس بشراسة داخل الملعب، والاحترام خارجه. وهو درس لمن يعتقد أن الوطنية تُقاس بالصراخ، أو أن الدفاع عن القميص يكون بالإساءة للآخر. الوطنية الحقّة هي أن تنتصر دون أن تجرح، وأن تخسر دون أن تفقد كرامتك.
هذه اللقطة، وإن بدت عابرة، فهي أقوى من ألف تصريح وأصدق من مئة بلاغ. لأنها تذكّرنا بأن كرة القدم، في أصلها، لغة كونية، وجسر بين الشعوب، لا أداة للفرقة. وحين نحافظ على هذا الجوهر، نكون قد ربحنا المباراة الأهم… حتى قبل أن نربح اللقب
حين تنتصر الأخلاق قبل النتيجة…

كتبه Srifi كتب في 10 يناير، 2026 - 9:45 صباحًا
مقالات ذات صلة
20 يناير، 2026
الوجود بعد سقوط المعنى: قراءة بيكيتية في لحظة الهزيمة والانكشاف
بقلم : إدريس الروخ تقول الفلسفة الوجودية، كما صاغها جان بول سارتر، إن الإنسان لا يولد مزودًا بمعنى جاهز للحياة، [...]
20 يناير، 2026
الخسارة ليست نهاية… المغرب يكشف معدن الفرق الكبيرة
عن الصحفي الرياضي : فارس عوض لم تكن خسارة المنتخب المغربي مجرد نتيجة على لوحة النتائج، بل لحظة كاشفة لكثير [...]
19 يناير، 2026
المغرب لم يُهزم… بل ربح وضوح الرؤية، وكشف المستور…
بقلم: عبد السلام اسريفيما وقع في كان 2025 لا يمكن اختزاله في نتيجة مباراة أو خطأ عابر داخل الملعب. المغرب [...]
19 يناير، 2026
كان 2025… أكثر من بطولة
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي لم تكن كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد تظاهرة كروية عابرة، بل شكلت لحظة فارقة أكدت [...]
