الرئيسية آراء وأقلام جدلية السياسة والدين من سياق المواطنين إلى سياق الإتباع

جدلية السياسة والدين من سياق المواطنين إلى سياق الإتباع

FB IMG 1592906676185.jpg
كتبه كتب في 23 يونيو، 2020 - 11:06 صباحًا

بقلم: ذ.نور الدين بوصباع/ باحث وكاتب

لاشك أن السياسة هي أول ممارسة اشتغل عليها الإنسان في تدبير شؤونه المدينية و تيسير شروط حياته في إطار الجماعة قبل انبثاق الفلسفة و ظهور الأديان و بروز الأيديولوجيات المختلفة التي أطرت كل واحدة منها رؤيتها للفعل السياسي وللفاعلين السياسيين، ودون أن ندخل في مختلف التصورات التي رسمها الفلاسفة لنظام الحكم الراشد ومن المؤهلين لامتلاك مجاله وتدبير مجاله، وكيف أثرت كل من الايدولوجيا الفاشية والنازية في السياسة آناء الحرب العالمية الثانية،أريد أن أتحدث عن جدلية السياسة والدين وكيف ظلت هذه الجدلية هي المتحكمة في الممارسة السياسية القائمة على نظرية العناية الإلهية تظهر حينا وتغيب أحيانا أخرى، هي الجدلية التي عرفتها العصور الوسطى في أوربا من خلال تحالف المسيحية والسياسة، حيث أن الملك كان يتصور أنه جزء من الإله يكتسب شرعيته من السماء وبمباركة الاكليروس ولا يحق لأحد أن ينتقد أو يعارض وإلا ورمي بالزندقة فصلب أو نفي، وهذا الواقع الذي دفعت أوربا ثمنه كثيرا ولم تتخلص من مخاضه الاستبدادي والشمولي إلا مع انتصار العلمانية وتم الفصل بين السياسة بحيث تم إعطاء ما لله لله ما لقيصر لقيصر، وبالتالي دخلت أوربا مرحلة من التعايش والتكاثف وبناء أواصر الدولة المدنية في إطار فصل السلطات و بناء مجتمع مدني حقيقي يتسامى على الختلافات الدينية والمذهبية والعرقية، وأما بالنسبة لمجالنا السياسي في العالم العربي والإسلامي فمن الفارابي إلى الماوردي فالدولة التيوقراطية هي من ظلت حتى وقتنا الحالي وإن لبست لبوس الديمقراطية الشكلية تشكل نظام الحكم في كثير من الدول، فالدولة والاحزاب والفرق السياسية لازالت تمارس السياسة بمنطق الدين وهذا الموضوع هو ما أدى قديما لهلاك ابن المقفع وفي حاضرنا فصل على عبد الرازق من الزهر لأنه دعا على فصل الدين عن السياسة ومحاربة كثير من المفكرين العلمانيين.
في أطروحة متميزة لمارسيل غوشيه الذي خالف كثير من المفكرين الذين تغنوا بموت الدين وانحصاره وانتشار الحضارة الغربية العقلانية، نجده يؤكد على أن القرن الواحد والعشرين هو قرن الاديان بامتياز كما كان قرن للعقل وقرن للتاريخ، فاللجوء إلى الدين و استعادة روحانيته أصبح اليوم موضوعا يستأثر بكثير من المهتمين من علماء الاجتماع الديني والمفكرين والفلاسفة، فعودة الخطاب السلفي الوهابي المدعم من قبل البترودولار الذي خاض الحرب في افغانستان والذي تم اللجوء اليه لمحاربة الفكر الماركسي، وظهور الحركات الإسلام السياسي وبعده الجماعات الجهادية التي تدعو لإقامة دولة الخلافة على منهج النبوة، وأيضا في أوربا ظهور ما يسمى باليمين المسيحي الصهيوني الذي اصبح أكثر تعلقا بالاساطير الدينية لتبرير تحكمه في السلطة وتحقيق نزول المسيح المخلص، كل هذه المعطيات تدل اننا سندخل مرحلة حروب دينية مقبلة لا محالة.
اليوم التجاذبات السياسية ذات المرجعية الدينية هي من تتحكم في صياغة العالم وهي القادرة على التأجيج والحشد، وهي في نفس الوقت الكارثة الكبرى التي تضرب في عمق النسيج المجتمعي وتنوعه من خلال تفريق الناس إلى فسطاط المؤمنين وفسطاط الكافرين و التفريق بين مؤمنين حقيقيين و مؤمنين غير حقيقيين،فعلا أصبحت ممارستنا بعد عقود من الانفتاح على الأخر في خطر لانها أصبحت اليوم ممارسة تتجاوز مصالح الناس إلى معتقداتهم بالشكل الذي يدل على أننا على أبواب محاكم التفتيش.
نوراالدين بوصباع

مشاركة