الرئيسية آراء وأقلام الجلطة الدماغية والآثار القانونية

الجلطة الدماغية والآثار القانونية

telechargement 4.jpg
كتبه كتب في 19 أبريل، 2022 - 2:14 صباحًا

الجلطة الدماغية والآثار القانونية

بسم الله الرحمان الرحيم : إن ما يتميز به الإنسان عن باقي المخلوقات الحية هو العقل، وهو ليس بعضو بل مصطلح مجازي يستعمل لوصف الوظائف العليا للدماغ, ومعناه الإدراك والتمييز والفهم، ويعرف كذلك باللب والفكر، لقوله تعالى : « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب» سورة البقرة

فما هو الفرق بين العقل والدماغ والمخ ـ

العقل: ليس جزء في الدماغ وإنما عملية وصف للأنشطة والوظائف العليا في الدماغ كالشخصية ـ التفكير ـ الجدل ـ الذاكرة ـ الذكاء و الانفعال العاطفي؛ ـ الدماغ : هو الجزء الكامل الموجود في الجمجمة والذي نعرفه جميعاً وهو أهم أجزاء الجهاز العصبي في جسم الإنسان؛ ـ والمخ : أحد أجزاء الدماغ حيث يتألف دماغ الإنسان من عدة أقسام : المخ والمخيخ والبصلة السيسائية . ويهتم المخ بشكل عام بالوظائف الإدراكية والحسية والعقلية ووظائف اللغة.

ما هي السكتة أو الجلطة الدماغية

السكتة أو الجلطة الدماغية هي خلل مفاجئ في تدفق الدم إلى جزء من الدماغ وعدم وصول الأوكسجين والغذاء اللازمين لأنسجة المخ الأمر الذي يؤدي إلى موت خلايا المخ خلال عدة دقائق ولهذا يحتاج المصاب إلى إسعافه بسرعة فائقة للفصل بين الموت والحياة أو تعرضه لأضرار جسيمة من وراء هذا الخلل. فهي ليست بمرض وإنما خلل في الوظائف.

الجلطة الدماغية تترك الأثار التالية (أثر واحد أو أكثر):

– فقدان الوعي (التام أو الجزئي أو وعي مشوش)؛ – فقدان القدرة على الكلام أو فقدان القدرة على الوضوح بالكلام؛ – شلل طرف واحد من الأطراف الأربعة أو أكثر(شلل نصفي أو رباعي)؛ – فقدان البصر في إحدى أو كلتا العينين؛ – فقدان حاسة الشم أو التذوق؛ – صعوبة في البلع؛ – تأثر العصب الوجهي وانحراف عضلات الوجه يمينا أو يسارا؛ – فقدان السيطرة على الإخراج والتبول.

الآثار القانونية المترتبة على ضحية الجلطة الدماغية

إن ما يتبادر إلى الذهن بعد أن يصاب شخص بهذا الحادث، هو مدى قدرته في التعامل اليومي مع المجتمع, ومدى مسؤوليته من عدمها، إن على مستوى الأفعال والتصرفات وما يترتب عنها من مسؤولية جنائية، أو على مستوى المعاملات المدنية وما يتطلب معها من أهلية للالتزام والتعاقد. على المستوى الجنائي: ينص الفصل 132 من القانون الجنائي: «كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها» وينص الفصل 134 من ق ج: «لا يكون مسؤولا، ويجب الحكم بإعفائه،من كان وقت ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه، في حالة يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية» وينص الفصل 135 من ق ج: «تكون مسؤولية الشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي إلى تنقيص مسؤوليته جزئيا»

فهل يمكن إدخال المجلوط ضمن هذه الحالات؟

لا يمكن إدخال المصاب بجلطة دماغية ضمن هذه الحالات المعدمة أو المنقصة للمسؤولية، لأن المشرع يتكلم عن سلامة العقل والقدرة على التمييز بالنسبة للمسؤولية، وعن انعدام الإدراك والإرادة بالنسبة لانعدام المسؤولية،حيث سمى هذا الفرع بالعاهات العقلية، وأعطى الحق لقاضي التحقيق في الفصل 136 ق ج الذي تظهر له علامات واضحة للخلل العقلي، أن يأمر بوضع المتهم بمؤسسة لعلاج الأمراض العقلية. وقد تنبه المشرع لهذه المسألة في مشروع ق ج الجديد, فأعطى نفس الحق للنيابة العامة كذلك بالأمر بالإيداع بإحدى المؤسسات العلاجية، إلى حين صدور قرار عن المحكمة.

أما وأن المجلوط قد يصاب بفقدان الوعي التام أو الجزئي، فهذا سيجعله غير قادر حتى على الحركة، وما يؤكد هذا الطرح أن الفصل 137 من القانون الجنائي ينص على ما يلي: «السكر وحالات الانفعال أو الاندفاع العاطفي أو الناشئ عن تعاطي المواد المخدرة عمدا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعدم المسؤولية أو ينقصها». اعتبارا لما قلنا أن العقل يتحكم في الانفعال العاطفي، ولا يمكن لجلطة دماغية أن تؤثر إيجابا أو سلبا في هذه الأحاسيس للقول بأن الفاعل كان وقتها فاقدا أو ناقصا للإدراك، للقول بالتالي بعدم مساءلته، خصوصا وأن المشرع المغربي لم يعط تعريفا للعاهة أو الخلل العقلي، بالقانون الجنائي أو بظهير 1959 الخاص بالأمراض العقلية، مما يجعل الأمر بغاية الصعوبة للقول بأن فقدان الوعي التام أو الجزئي الناتج عن الجلطة يدخل في خانة العاهة أو الخلل العقلي, أو حتى في باب نقصان الإدراك والإرادة. وقد أوكل ذلك للأطباء كما جاء في الفصل 75 وما بعده من القانون الجنائي الذي جاء فيه «…خلل عقلي ثبت بناء على خبرة طبية، واستوجب التصريح بانعدام مسؤوليته مطلقا وإعفاءه وإذا كان المشرع قد أعدم ونقص المسؤولية الجنائية بالنسبة للمختل عقليا، فهو لم يعتبرها كذلك في الفصل 49 من القانون الجنائي من أسباب انقضاء العقوبة أو الإعفاء أو الإيقاف،

الفصل 49: تنفذ على المحكوم عليه العقوبات الصادرة ضده بتمامها، إلا إذا طرأ سبب من أسباب الانقضاء أو الإعفاء أو الإيقاف الآتي بيانها:

1 – موت المحكوم عليه

2 – العفو الشامل

3 – إلغاء القانون الجنائي المحكوم بمقتضاه

4 – العفو

5 – التقادم

6 – إيقاف تنفيذ العقوبة

7 – الإفراج الشرطي

8 – الصلح، إذا أجازه القانون بنص صريح.

حماية المشرع المغربي لضحية الإجرام

وإذا كان المشرع حازما فيما يخص فتح باب الإعفاء من المسؤولية بالنسبة للفاعلين، فقد كان رحيما ومتعاطفا مع ضحايا الإجرام حيث اعتبر في الفصل 459 وما بعده من القانون الجنائي : « من عرض ….. عاجزا لا يستطيع أن يحمي نفسه بسبب حالته الجسمية أو العقلية، يعاقب بالحبس », ولا أدري لماذا لم يعتبر المشرع هذا الأمر في حالة الاختطاف والاحتجاز,سواء في الفصل 436 أو 471 و 475 الخاصة بالقاصرين، إذ كان عليه أن يدخله مع القاصر كما فعل في باقي الفصول، واعتبر ظرفا مشددا في جرائم انتهاك الآداب إذا كان الضحية عاجزا أو معاقا أو معروفا بضعف قواه العقلية، في الفصل 484 وما بعده من القانون الجنائي والذي جاء فيه: « يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات من هتك دون عنف أو حاول هتك عرض قاصر تقل سنه عن ثمان عشرة سنة أو عاجز أو معاق أو شخص معروف بضعف قواه العقلية، سواء كان ذكرا أو أنثى»، وكذلك في جرائم هتك العرض بالعنف والاغتصاب،

وقد نلاحظ كيف أثر تقدم الطب في التشريع,

ففي الفصل 34 من ظهير النظام الأساسي لرجال القضاء لسنة 1974, اعتبر الشلل بصفة عامة من الأمراض الموجبة للرخصة طويلة الأمد. أما الفصل 203 من مدونة المحاكم المالية الصادر سنة 2002, اعتبر شلل الأطراف الأربعة هو المرض الموجب للرخصة طويلة الأمد، أي أن المشرع أخرج الفالج أو الشلل النصفي من خانة الأمراض المزمنة، وتابع هذا التقدم في قانون التوثيق لسنة 2011،ليجبر المرشح للمهنة الإدلاء بشهادة طبية صادرة عن القطاع العام تثبت قدرته على ممارسة المهنة, وكذلك بعد بلوغه سن سبعين سنة، وإن كان قد أخذ هذا المقتضى من قانون خطة العدالة الصادر سنة 2006. وبالرجوع إلى قانون خطة العدالة نجده ينص في المادة 11 : « يمكن إعفاء كل عدل انتابته عوارض مرضية تمنعه كليا من ممارسة مهامه، ويتم إرجاعه إليها عند زوال سبب الإعفاء…. بعد الإدلاء بشهادة طبية صادرة عن مصالح الصحة العمومية، تثبت زوال العوارض المرضية»، وما أريد الإشارة إليه هنا، هو أنه في الوقت الذي لا زال المشرع المغربي لم يتطرق في القوانين المنظمة للمهن القضائية لمفهوم القدرة الجسمانية لتحديد الأشخاص المؤهلين جسديا لمزاولة هذه المهن المساعدة للعدالة، فكيف يمكن للقاضي أو الطبيب أن يضع معايير موضوعية للقول بأن شخصا ما مصاب بجلطة دماغية هو أهل أم لا عقليا و جسديا لاعتباره مسؤولا عن تصرفاته المدنية والجنائية. فإذا كانت جل القوانين المهنية تتحدث عن وجوب توفر القدرة الجسدية،بمفهومها الواسع، نجد قانون الخبراء القضائيين رقم 45.00 في مادته 3 لا يذكرها بالمرة. فهذا يستدعي توحيد القوانين والمعايير المنظمة للأهلية البدنية أو القدرة الجسمانية لتصبح مقياسا للاستدلال حتى في المهن الخاصة والمعاملات اليومية ما بين المواطنين، وتكون بمثابة مرجعية للأطباء والخبراء في تحديد العجز وتقويم نسبة الإصابة ومدى تأثيرها على الوظائف العضوية.

على المستوى المدني

تنبه المشرع المغربي لهذه المسألة خصوصا في باب تحرير العقود فنص في المادة 29 من خطة العدالة على أنه يسوغ تلقي الإشهاد مباشرة من العاجز عن الكلام أو السمع بالكتابة، وإلا فبالإشارة المفهمة مع التنصيص على ذلك في العقد. ونص في المادة 43 من قانون التوثيق العصري، على أنه إذا تعذر على أحد الأطراف التوقيع أو البصمة، فإن الموثق يشهد عليه بذلك بمحضر شاهدين.ويلاحظ أن المشرع لم يرتب البطلان في المادة 49 عن عدم احترام هذا الإجراء. فالسؤال الذي يطرح نفسه هل عدم القدرة على الكلام أو البصمة أو التوقيع أو عدم القدرة عن تحريك الأطراف، يعتبر من باب نقصان الأهلية أو انعدامها، علما أن قانون الالتزامات والعقود في المادة 2 اعتبر الأهلية من الأركان اللازمة لصحة الالتزام. وإن كانت هي من شروط الصحة وليست من أركان العقد، وأخضعها لقانون الأحوال الشخصية للمتعاقد، إذ نص في المادة 210 من مدونة الأسرة على ما يلي: « كل شخص بلغ سن الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته » . ونص في المادة 213 منها: «يعتبر ناقص أهلية الأداء :1- الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد؛ 2 – السفيه؛ 3 – المعتوه» ويلاحظ هنا أنه لا وجود لأصحاب الخلل الوظيفي للدماغ. بل ذهب المشرع إلى أكثر من هذا في الفصل 10 من قانون الالتزامات والعقود،حينما اعتبر أنه لا يجوز للمتعاقد الذي كان أهلا للالتزام أن يحتج بنقص أهلية الطرف الذي تعاقد معه. الفصل 54: «أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة».

خلاصة لابد إذن من إحداث ضوابط علمية وقانونية لتحديد المفاهيم وترتيب الآثار حول الجلطة الدماغية وعوارضها ومخلفاتها والوضعية القانونية للمجلوط إن على المستوى الجنائي فاعلا أو ضحية، أو على المستوى المدني في إطار التعاقد والالتزام, وتحديد مسؤولية المتعاملين معه، مما يستوجب معه اعتماد المقترحات الآتية : – إعطاء تعريف في القانون للخلل العقلي والفرق بين العصبي والنفسي؛ – إعطاء تعريف في القانون للقدرة الجسمانية أو البدنية؛ – إعطاء تعريف قانوني للموت السريري؛ – تصنيف موت الرحمة والمساعدة عليها في القانون الجنائي؛

– اعتماد الشواهد الطبية الصادرة عن اللجن المتخصصة دون غيرها؛ – إحداث لجنة شراكة وتعاون بين المحاكم وهيئة الأطباء؛ – إحداث بطائق بيومترية للمصابين تكون بمثابة ملف طبي مرجعي؛ – جعل الخبرة في هذه الحالات من النظام العام تقررها المحكمة؛ – تعميم الحماية القانونية لضحايا الإجرام المصابين والعاجزين وذوي الاحتياجات الخاصة؛ – إعطاء الحق للجمعيات ذات الاهتمام بالمرافقة والتتبع والتنصب كمطالبة مدنية؛ – خلق إطار قانوني وتشريعي لمعاملات الطبيب مع المصابين؛ – إعطاء مفاهيم قانونية لبعض الحالات المرضية مثل الموت السريري موت الرحمة المساعدة على موت الرحمة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عبد العالي المصباحي

مشاركة