الرئيسية آراء وأقلام أزمة الإصلاح بالمغرب، إلى متى؟

أزمة الإصلاح بالمغرب، إلى متى؟

كتبه كتب في 12 يونيو، 2022 - 12:05 صباحًا


عبد المولى المروري

هل يمكن أن يختلف اثنان، ومنذ فجر الاستقلال، أن معظم “مشاريع الإصلاح” بالمغرب باءت بالفشل، وليس أي فشل، بل باءت بالفشل الذريع.. ولا تكاد تذكر مجالا كان موضوع إصلاح، إلا وصاحبه فشل وإخفاق وهدر للمال والوقت، وتبادل الاتهامات … دون نتيجة تذكر ..

التجربة السياسية والاقتصادية والتنموية الوحيدة والفريدة التي ظهرت مع حكومة عبد الله ابراهيم (التي ام تتجاوز السنتين) تم إفشالها بطريقة دراماتيكية غريبة، أدى ثمنها المغرب، شعبا ودولة ومؤسسات، إلى يومنا هذا..

بعد التآمر على حكومة عبد الله ابراهيم دخل المغرب في نفق مظلم، كانت أبرز ملامحه، اغتيال المهدي بن بركة (1965)، إعلان حالة الاستثناء (يونيو 1965) على إثر احتجاجات الدار البيضاء بسبب مذكرة وزارة التربية الوطنية، وقوع انقلابين دمويين (1971-1973) اغتيال عمر بن جلون (1975)، مشكلة الصحراء المغربية وظهور جبهة البوليزاريو، وسنوات الرصاص، أحداث 1981 بالدار البيضاء، الجفاف ودخول المغرب مرحلة القويم الهيكلي (1982)، والعديد من الاحتجاجات التي طهرت في كل من فاس، مراكش، والشرق المغربي.. إلى أن ظهر انفراج نسبي سنة 1994، والتصويت على دستور 1996، وظهور حكومة التناوب الأول الذي فشل مع انتخابات 2002..

كما دخل المغرب بشكل غير مفهوم في حرب ضد الإرهاب بدأت مع أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، وعرفت هذه المرحلة انتهاكات جسيمة وخطيرة لحقوق الإنسان، ولم تتوقف إلا مع ظهور الربيع العربي وحركة 20 فبراير، ليدخل المغرب إلى مرحلة سياسية جديدة بدستور جديد (2011)، هذا الدستور الذي عانى من سوء التنزيل وتآمر فلول الدولة العميقة التي رجعت بقوة في انتخابات 2015 ، ويتم بعد ذلك إفشال التناوب الديمقراطي للمرة الثانية..

وخلال كل هذه الأزمات والصراعات، فشلت كل مشاريع الإصلاح الأخرى، سواء تلك التي همت مجال التربية والتعليم ونذكر منها:

1 اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم 1957
2 اللجنة الملكية لإصلاح التعليم 1958-1959
3 المخطط الخماسي 1960-1964 (اللجنة المكلفة بإعداد مخطط التعليم)
4 مناظرة المعمورة 1964
5 المخطط الثلاثي (1965-1967)
6 مناظرة إفران الأولى (1970) ومناظرة إيفران الثانية (1980)
7 المخطط الخماسي (1985-1981)
8 مشروع الإصلاح 1985
9 الهيئة الخاصة لإصلاح التعليم
10 الخطاب الملكي 6 نونبر 1995 الذي داعى إلى تشكيل لجنة خاصة للعمل بميثاق.
11 الميثاق الوطني للتربية و التكوين 1999-2010
12 البرنامج الاستعجالي (2012-2000)
13 الرؤية الاستراتيجية (2015-2030).

أو تلك التي همت مجال الزراعة والفلاحة، بدءا من خطاب محمد الخامس في 13 شتنبر 1957، وفشل عملية التويزة (1957-1959)، وتأسيس الصندوق الوطني للقرض الفلاحي (1961)، وخطاب الحسن الثاني في 3 مارس 1962، وتأسيس المعهد الوطني للبحث الزراعي (1962)، وقرار استرجاع جميع أراضي الاستيطان الزراعي الرسمي، حيث مرت هذه العملية بمرحلتين : مرحلة 1963- 1966، و المرحلة الثانية ابتداء من 1973، وتأسيس شركتي صوديا وسوجيطا، وتوزيع الأراضي في إطار الإصلاح الزراعي ما بين 1965 و 1975، وتوزيع هذه الأراضي على كبار السياسيين والعسكريين، وقرار سقي مليون هكتار (1967) في أفق سنة 2000، بهدف التحكم في تأثير التقلبات المناخية، بضمان تزويد البلاد بالماء، و من ثم المساهمة في تحسين الإنتاج الفلاحي و تنوعه، وتدشين سياسة السدود في السنة نفسها. وقانون الاستثمارات الفلاحية (1969)، واستمرار سياسة بناء السدود في عهد محمد السادس، وانتهاء بالمخطط الأخضر الذي نعيش حاليا بعض تمظهرات فشله، خاصة مع الموجة الجديدة من الجفاف والحرب الروسية الأوكرانية ..

ناهيك عن فشل مجالات حيوية أخرى التي تهم الاقتصاد، ومشاريع الخصخصة، وقطاع الأبناك والعدالة الضريبية، وقطاع الصحة والصيدلة والأدوية …

الجامع في كل هذه المجالات وطوال كل هذه العقود هو متتالية الفشل التي ميزها ولم ينفصل عنها ولو لحظة واحدة.. وهنا يفرض هذا السؤال نفسه على هذا المسار .. هل هذا الفشل طبيعي وعادي؟ أم إنه مقصود مخطط له؟ وإلا بماذا نفسر كل هذا الفشل المستمر والمتواصل؟

بعد 66 عاما من الاستقلال وقف الشعب المغربي على حقيقة مؤلمة، كشفتها جائحة كورونا، أن هذا الشعب الذي لا يزيد تعداد سكانه عن أربعين مليون نسمة، يعيش فيه أزيد من عشرين مليون فقير.. حقيقة صادمة بكل المقاييس، 66 سنة من الأزمات والتضحيات والمشاريع والمخططات والصراعات السياسية .. أنتجت لنا عشرين مليون فقير من أصل أربعين مليون مواطن مغربي!! أين الخلل؟

الدولة في هذا المسار كانت ولا تزال منسجمة مع نفسها، لم تبدل ولم تغير، فمشروعها يقف على أربع أسس كبرى، بدأ إبان الوجود العسكري والثقافي والاقتصادي والإداري والسياسي الفرنسي بالمغرب، واستمر بعد خروجها العسكري وبقاء العناصر الأخرى، هذه الأسس الأربعة هي: 1/ التبعية والولاء لفرنسا، 2/ العلاقة الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني/اليهودي، 3/ هيمنة الدولة العميقة ورجالاتها على عصب الاقتصاد الوطني، وتحويل الشعب المغربي في مجموعه إلى زبون لها، 4/ العمل على تدجين الشعب فكريا وثقافيا وتعليميا لتسهيل عملية ترويضه واقتياده…

لذلك لا يمكن أن نراهن على عدول الدولة عن مشروعها ومخططاتها تلك، ولا يمكن أن نتوقع أي إصلاح حقيقي، لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد، ومن السذاجة والغباء أن نتوقع إصلاحات قائمة على التوافقات والتفاهمات .. فالدولة في حلتها وحالها هاته، ومثل كل الأزمات والصراعات السابقة، يمكن أن تناور، أو تحدث انفراج مؤقت (1994)، أو تدخل في توافق ناقص (1996)، أو مهادنة عابرة (2011).. حسب ما تقتضيه الوضعية السياسية والاجتماعية، دون التخلي عن مرتكزاتها وأسسها السياسية والثقافية والأمنية …

والدولة واضحة وصريحة في عدم رغبتها في أي إصلاح حقيقي، وهذه حقيقة كشفت عنها في انتخابات 8 شتنبر الأخيرة، وقراراتها المتمثلة في سحب مشاريع قوانين تحارب الريع والفساد، وتصريحات وزير العدل الذي تصب في الاتجاه نفسه، وتغول لوبي المحروقات بمباركة الدولة العميقة، وانتشار التفاهة الإعلامية على أوسع نطاق، وانهيار منظومة التعليم… وأنكى ما قامت به الدولة هو تهميش النخب المثقفة والعلمية، وقتل الثقافة الجادة، واغتيال السياسة وتدجين الأحزاب، وإدخال الصراعات السياسية إلى حلبة الابتذال السياسي..

طبعا النخب السياسية والثقافية تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية، بعد أن قررت إما العزلة والابتعاد، أو التماهي والانصياع، أو المهادنة والخنوع، ودخلت باختيارها في لعبة الدولة، وما دام هذا هو اختيار وقرار هذه النخب، فلا مجال للحديث عن أي إصلاح، لأن مهمة بناء الوعي والرفع من نضج الشارع والشعب موكول لهذه الفئة، فهي التي باستطاعتها أن تنور الشعب وتنير له طريق المطالبة بالتغيير والإصلاح، كما فعل مثقفو وعلماء عصر الأنوار بأوروبا خلال القرون 14 و15 إلى غاية الثورة الثقافية والصناعية… لقد كان المثقفون على رأس من قدم أكبر التضحيات وأخطرها من أجل أن تنعم أوروبا والعالم الغربي بما تعيشه من ديمقراطية سياسية وتقدم اقتصادي ورفاه مادي …

فأزمة الإصلاح الشامل بالمغرب مرتبط بعدم رغبة الدولة له، وعدم تحمل النخبة السياسية والثقافية لمسؤوليتها بالشكل المطلوب نظرا لارتفاع تكلفته وخطورة ولوجه بالطريقة الصحيحة .. لذلك، الإصلاح لن تقوم له قائمة، والأزمة ستستمر إلى أن تظهر نخب جديدة من رحم هذا الوطن، لها من الشجاعة والجرأة ما يمكنها من فرض مشاريعها الإصلاحية، فإلى ذلك الحين، أسأل الله أن يخفف عنا وعنكم هذه الأزمة ..

أزمة الإصلاح بالمغرب، إلى متى؟ – إيطاليا تلغراف – italiatelegraph

مشاركة