هذه هي حقيقة دعم “فوغال بيس” بالقنيطرة.. الدولة تدخلت لتخفيف العبء عن المواطنين

Srifi

صوت العدالة- حنان جرنيج
في وقت تحوّل فيه ملف شركة النقل الحضري “فوغال بيس” بمدينة القنيطرة إلى مادة للنقاش والجدل داخل الشارع المحلي ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الحديث عن “دعم مالي ضخم” لفائدة الشركة مقابل الزيادة الأخيرة في أسعار التذاكر، تكشف معطيات ووثائق رسمية حصلت عليها “صوت العدالة” أن الصورة المتداولة بعيدة عن الحقيقة الكاملة، وأن الأمر لا يتعلق بـ”هبة” أو امتياز استثنائي لفائدة الشركة، بل بآلية قانونية وتعاقدية هدفها الأول حماية المواطن وضمان استمرارية مرفق النقل العمومي.
التحقيق الذي أنجزته الجريدة، اعتمادا على وثائق مرتبطة بعقد التدبير المفوض ومعطيات من مصادر جماعية مطلعة، يوضح أن عقد “فوغال بيس” يتضمن منذ البداية بندا قانونيا خاصا بمراجعة التعريفة كل ثلاث سنوات، وفق ما يعرف بـ”المعامل K”، وهو نظام يعتمد على تطور تكاليف الاستغلال، من بينها أسعار المحروقات وقطع الغيار والأجور ومصاريف الصيانة والتدبير.
وخلال الفترة الممتدة ما بين 2022 و2024، شهدت الشركة ارتفاعا غير مسبوق في تكاليف التشغيل، خاصة بعد وصول أسعار الغازوال إلى مستويات قياسية قاربت 17 درهما للتر الواحد، إضافة إلى ارتفاع كبير في مصاريف الصيانة وقطع الغيار، وهو ما تسبب في اختلال مالي مهم داخل منظومة النقل الحضري، وفق افتحاص ودراسة تقنية تم إنجازها بطلب من وزارة الداخلية.
وحسب نفس الوثائق، فإن الدراسة التي أعدها مكتب دولي مختص أكدت وجود عجز مالي متراكم أثر بشكل مباشر على التوازن المالي لعقد التدبير المفوض، الأمر الذي فرض قانونيا مراجعة التعرفة وفق المقتضيات المنصوص عليها داخل العقد.
وتشير المعطيات الرقمية التي توصلت بها “صوت العدالة” إلى أن مراجعة التعرفة نهاية سنة 2024 أفرزت زيادة قانونية تناهز 21 في المائة، وهو ما كان يعني رفع أسعار التذاكر بما يتراوح بين درهمين وأربعة دراهم حسب الخطوط، غير أن السلطات العمومية اعتبرت أن تطبيق هذه الزيادة كاملة ستكون له انعكاسات اجتماعية ثقيلة على الأسر القنيطرية، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الحالي.
أمام هذا الوضع، تم اعتماد صيغة تشاركية بين المواطن والجماعة الترابية ووزارة الداخلية، تقوم على توزيع قيمة الزيادة، بحيث يتحمل الراكب جزءا بسيطا فقط من الزيادة الحقيقية، فيما تتكفل الدولة والجماعة بباقي المبلغ حفاظا على القدرة الشرائية للمواطن وضمان استمرارية النقل العمومي دون اضطرابات.
وفي هذا الإطار، تم تحديد الزيادة الخاصة بالنقل الحضري في 50 سنتيما فقط، بينما حددت الزيادة الخاصة بالنقل القروي وشبه الحضري في درهم واحد، رغم أن الزيادة الأصلية التي يسمح بها العقد كانت أكبر بكثير.
مصادر من داخل جماعة القنيطرة أكدت لـ”صوت العدالة” أن المبالغ التي يجري الحديث عنها لا يمكن وصفها بـ”الدعم المباشر لفوغال بيس”، بل هي مساهمة عمومية تهدف بالدرجة الأولى إلى تفادي تحميل المواطنين الزيادات الكاملة التي يفرضها العقد بشكل قانوني، موضحة أن تدخل الجماعة ووزارة الداخلية جاء لحماية الساكنة وليس لمنح امتيازات إضافية للشركة.
وأضافت المصادر ذاتها أن “فوغال بيس”، رغم الأزمة المالية التي عاشتها خلال السنوات الماضية، واصلت تأمين النقل اليومي لآلاف العمال والتلاميذ والطلبة وساكنة القنيطرة والجماعات المجاورة دون توقف، كما لم تلجأ إلى تطبيق الزيادات القصوى التي كان يتيحها لها العقد خلال فترة ارتفاع أسعار المحروقات.
كما كشفت الوثائق الرسمية أن أي مراجعة للتعرفة لا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد موافقة السلطة المفوضة ومصادقة وزارة الداخلية، ما يؤكد أن العملية تخضع لمساطر قانونية وإدارية دقيقة، بعيدا عن أي قرارات انفرادية أو ترتيبات خارج الإطار القانوني.
وتفيد المعطيات المالية الواردة ضمن الملف أن الكلفة الإجمالية المرتبطة بتفعيل آلية مراجعة التعرفة خلال السنوات الثلاث المقبلة تناهز حوالي 87 مليون درهم، حيث سيتحمل المرتفقون ما يقارب 14 مليون درهم سنويا عبر الزيادة الجزئية في أسعار التذاكر، بينما ستتكفل الدولة والجماعة الترابية بحوالي 15 مليون درهم سنويا، من أجل الحفاظ على التوازن المالي لعقد التدبير المفوض وضمان استمرار هذا المرفق الحيوي.

كما تؤكد الوثائق أن وزارة الداخلية صادقت بالفعل على حصتها المتعلقة بسنة 2025، ما يعكس أن الأمر يتعلق بآلية قانونية ومالية مؤطرة بالعقد، وليس دعما استثنائيا خارج الضوابط التنظيمية كما يتم الترويج له.

وفي انتظار الحسم النهائي خلال دورة المجلس الجماعي المقبلة، يظل ملف “فوغال بيس” من أكثر الملفات التي تثير الجدل بالقنيطرة، بين من يراه دعما لشركة خاصة، وبين من يعتبره تدخلا ضروريا لحماية مرفق عمومي حيوي وتخفيف العبء عن المواطن القنيطري في ظرفية اقتصادية دقيقة.