ز. محمود
يعيش نادي الوداد الرياضي، أحد أعرق وأكبر القلاع الرياضية في المغرب وإفريقيا، فترة من الترقب والقلق الجماهيري. فمع كل كبوة أو تراجع في النتائج، تتعالى الأصوات المطالبة بالتغيير الجذري، وتبرز التساؤلات حول جدوى استمرار القيادة الحالية برئاسة هشام أيت منا. لكن، في عالم كرة القدم الحديثة حيث تتشابك الإدارة المالية بالنتائج الرياضية، هل يُعد رحيل الرئيس بمثابة “الحل السحري” الذي سيعيد “وداد الأمة” فوراً إلى سكة الألقاب؟ أم أن الأمر يتطلب نظرة أكثر شمولية وعقلانية؟
عاطفة الجماهير مفهومة ومبررة، فمن يحب كيان الوداد العريق لا يرضى له بغير منصات التتويج خصوصا بعد فترة سعيد الناصيري الذهبية. ومع ذلك، يجب الإقرار بحقيقة واقعية: لا يوجد حل سحري في كرة القدم المكتوبة. تغيير الإدارة في خضم الموسم الرياضي غالباً ما يولد هزات ارتدادية تؤثر على استقرار الفريق. رحيل أيت منا، أو أي رئيس آخر، في هذا التوقيت الحساس لن يمحو المشاكل بلمسة عصا سحرية، بل قد يدخل النادي في دوامة من الفراغ التسييري. النهوض من الكبوة يتطلب مشروعاً رياضياً متكاملاً، إدارة تقنية مستقرة، ولاعبين قادرين على تحمل الضغط، وليس مجرد تغيير في الأسماء على رأس الهرم الإداري.
إن الحب الحقيقي لكيان الوداد يفرض على كل غيور أن يطرح سؤالاً جوهرياً: ما هو البديل؟
الذهاب نحو المجهول والمطالبة بتغييرات عشوائية قد يقود الفريق نحو “الهاوية”. الأندية الكبرى اليوم هي مؤسسات اقتصادية مثقلة بالكاهل؛ هناك نفقات يومية، أجور لاعبين، تعاقدات، والتزامات مالية ضخمة (نزاعات، عقود رعاية، إلخ). ترك سفينة النادي وسط العاصفة دون خطة واضحة سيجعل هذه الالتزامات تتراكم لتتحول إلى أزمة هيكلية يصعب الخروج منها.
لذلك، فإن المنطق يفرض مبدأين أساسيين:
• المحاسبة وتصحيح الأخطاء: الاستقرار لا يعني غض الطرف عن الفشل. يجب تقييم العمل الإداري والتقني بشفافية، ومحاسبة المقصرين، وإجراء التعديلات اللازمة في مراكز الخلل دون هدم المعبد على من فيه.
• الحفاظ على المؤسسة: حماية النادي من التخبط الإداري وضمان استمرار تدفق الموارد المالية للوفاء بالالتزامات، وتجنب أي قرارات انفعالية قد تزيد من مديونية النادي.
ما يجعل التسرع في إطلاق أحكام اليأس غير مبرر، هو لغة الأرقام والواقع الميداني. الأزمة التي يُتحدث عنها قد تكون “أزمة أداء” أو “أزمة ثقة”، لكنها رقمياً ليست أزمة نتائج كارثية:
• سباق البطولة لم يُحسم: الفارق بين الوداد ومتصدر الدوري هو 5 نقاط فقط. في عالم كرة القدم، هذا الفارق يُعتبر ضئيلاً جداً ويمكن تداركه في مباراتين.
• رصيد النقاط المتبقي: لا تزال هناك 33 نقطة ملعوبة قبل إسدال الستار عن الدوري. هذا يعني أن ثلث الموسم تقريباً لا يزال متاحاً، وهو كافٍ جداً لقلب الموازين وتغيير الترتيب جذرياً إذا استعاد الفريق توازنه.
• المنافسة على كأس العرش: لا يزال النادي ينافس بقوة على لقب كأس العرش، وهي مسابقة تحمل طابعاً خاصاً وتُعد فرصة ذهبية لإنقاذ الموسم والتتويج بلقب غالي.
الوداد الرياضي يمر بمرحلة فراغ طبيعية تمر بها كل الأندية الكبيرة عالمياً بعد فترة ذهبية. رحيل هشام أيت منا ليس الدواء الشافي والسريع، بل قد يكون قفزة في ظلام الديون والتخبط. الحل يكمن في “الالتفاف حول الفريق”، ودعم اللاعبين والطاقم التقني في هذه الظرفية الحساسة التي تتطلب حصد النقاط.
المحاسبة ضرورية، وتصحيح الأخطاء واجب، ولكن مكانهما الصحيح هو نهاية الموسم أو داخل المؤسسات التقريرية للنادي، وليس في المدرجات ووسائل التواصل الاجتماعي في وقت لا يزال فيه الفريق ينافس بشراسة على واجهتين، وأمامه 33 نقطة كاملة قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها. الوداد لا يموت، بل يمرض، ودواؤه اليوم هو العقلانية والتلاحم.

