الرئيسية غير مصنف المحاماة ليست نادياً مغلقاً… بل رسالة عدالة تتسع للكفاءات

المحاماة ليست نادياً مغلقاً… بل رسالة عدالة تتسع للكفاءات

IMG 5267
كتبه كتب في 6 مايو، 2026 - 3:52 صباحًا

بقلم عزيز بنحريميدة

في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول إصلاح منظومة العدالة أو تعديل القوانين المنظمة للمهن القضائية، يطفو على السطح جدلٌ جانبي يتم تضخيمه بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام، وكأن المطلوب هو إشغال الرأي المهني بمعارك هامشية تُبعده عن جوهر الإشكالات الحقيقية. وما إن صدرت مداخلة وزير العدل بشأن ولوج القضاة والأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة، حتى انطلقت موجة من السجالات والانقسامات، وكأن القضية تتعلق بغزوٍ لمهنة مغلقة أو بتهديدٍ لكيانٍ قائم، لا بمناقشة حق مشروع في ولوج مهنة حرة تقوم أساساً على الكفاءة والعلم والاستحقاق.

إن المحاماة في جوهرها لم تكن يوماً ملكاً لفئة دون أخرى، ولم تُبنَ على منطق الإقصاء أو الاحتكار، بل ظلت عبر التاريخ فضاءً رحباً للكفاءات القانونية والفكرية التي اختارت الدفاع عن الحقوق والحريات والانتصار للقانون. ولذلك فإن محاولة تصوير القضاة أو الأساتذة الجامعيين كخطر على المهنة لا تستقيم لا منطقاً ولا واقعاً، لأن هذه الفئات نفسها كانت ولا تزال جزءاً من صناعة العدالة وتطوير الفكر القانوني والاجتهاد القضائي.

فالقاضي الذي قضى سنوات داخل المحاكم، راكم تجربة عملية عميقة في فهم النصوص وتطبيقها وتأويلها، والأستاذ الجامعي الذي أفنى عمره في البحث والتأصيل وتكوين أجيال من الحقوقيين، لا يمكن اختزالهما في صورة “دخيل” على المهنة. بل إن كثيراً من المحامين الذين يرفضون اليوم هذا الانفتاح، هم أنفسهم من تتلمذوا على مؤلفات هؤلاء الأساتذة، ووقفوا أمام هيئات قضائية كان يشرف عليها قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة. فكيف يتحول من كان بالأمس مرجعاً علمياً أو قضائياً إلى خصم غير مرغوب فيه بمجرد اختياره ارتداء البذلة السوداء؟

إن المهن القانونية ليست جزرًا معزولة عن بعضها البعض، بل هي حلقات متكاملة داخل منظومة العدالة. والقاضي والمحامي والأستاذ الجامعي وكتابة الضبط، جميعهم شركاء في تحقيق الأمن القضائي وصيانة الحقوق والحريات. لذلك فإن خلق صراعات وهمية بين هذه المكونات لا يخدم إلا من يريد إضعاف الجسم المهني وتشتيت انتباهه عن المعارك الحقيقية التي تستحق النقاش.

فالمطلوب اليوم ليس إغلاق الأبواب في وجه الكفاءات، وإنما فتح نقاش عميق ومسؤول حول أوضاع المحامي المغربي، وشروط اشتغاله، والحماية الاجتماعية للمهنة، واستقلاليتها، وتوسيع مجالات عملها، وتحيين ترسانتها القانونية بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. أما تحويل النقاش إلى معركة ضد فئات بعينها، فهو انحراف خطير عن جوهر الإصلاح.

ثم إن الواقع يكذب هذا التخوف المفتعل. فالمحاماة المغربية عبر تاريخها احتضنت قضاة سابقين وأساتذة جامعيين ودكاترة وباحثين، ولم تنهَر المهنة، ولم تُسلب أرزاق المحامين، ولم يتحول القطاع إلى ساحة احتكار. بل على العكس، ساهمت هذه الكفاءات في إغناء النقاش القانوني، ورفع مستوى الترافع، وتعزيز الحضور الفكري والحقوقي للمهنة.

إن المحاماة ليست امتيازاً اجتماعياً يُمنح للبعض ويُمنع عن البعض الآخر، بل هي مهنة حرة لمن توفرت فيه الشروط القانونية والعلمية والأخلاقية. ومن اختارها وهو مدرك لصعوباتها ومتاعبها اليومية، فهو يدخلها عن اقتناع واستعداد لتحمل مسؤولياتها الثقيلة، لا بحثاً عن امتيازات وهمية.

وإذا كان المغرب اليوم يتجه نحو إصلاح شامل لمنظومة العدالة، فإن أول ما ينبغي ترسيخه هو منطق الانفتاح لا الانغلاق، ومنطق التكامل لا الصراع، ومنطق الكفاءة لا الإقصاء. لأن العدالة القوية لا تُبنى بأسوار مهنية مغلقة، بل تبنى بتجميع الطاقات والخبرات والكفاءات في خدمة القانون والمؤسسات.

لقد آن الأوان لأن ترتفع الأصوات العاقلة داخل الجسم المهني، دفاعاً عن محاماة قوية، مستقلة، منفتحة، وقادرة على استيعاب كل الطاقات القانونية الجادة. فالمعركة الحقيقية ليست ضد القاضي أو الأستاذ الجامعي، بل ضد كل ما يعيق تطوير المهنة ويضعف مكانتها داخل منظومة العدالة.

وإذا كان الوافد إلى المحاماة يحمل رصيداً علمياً أو قضائياً أو أكاديمياً محترماً، فالأجدر أن يُنظر إليه كشريك في حمل همّ الدفاع عن الحقوق، لا كخصم يجب منعه من الولوج. لأن قوة المهنة لا تقاس بعدد الأبواب المغلقة، بل بقدرتها على استقطاب الكفاءات وصناعة الثقة داخل المجتمع

مشاركة