الرئيسية أخبار وطنية اليوم العالمي لحرية الصحافة بين النص القانوني والواقع العملي.. من يملك الكلمة ومن يوجّهها؟

اليوم العالمي لحرية الصحافة بين النص القانوني والواقع العملي.. من يملك الكلمة ومن يوجّهها؟

IMG 20260503 WA0003
كتبه كتب في 3 مايو، 2026 - 10:33 صباحًا

يوسف العيصامي: صوت العدالة

لا يمكن مقاربة حرية الصحافة اليوم بمعزل عن التحولات الكبرى التي يعرفها العالم، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو التكنولوجي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بوجود نصوص قانونية تضمن حرية التعبير، بل بمدى تفعيل هذه النصوص على أرض الواقع، وبالسياق العام الذي تتحرك داخله المؤسسات الإعلامية.

من الناحية النظرية، قطعت العديد من الدول، من بينها المغرب، أشواطًا مهمة في ترسيخ مبدأ حرية الصحافة من خلال الدساتير والقوانين المنظمة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن دائمًا في النص، بل في الممارسة. فبين ما هو مكتوب وما هو مطبق، تتسع فجوة تعكسها تجارب الصحفيين اليومية، حيث تتداخل الاعتبارات المهنية مع حسابات أخرى سياسية واقتصادية.

أحد أبرز التحديات التي تواجه حرية الصحافة اليوم يتمثل في الضغوط الاقتصادية. فالمؤسسات الإعلامية، خاصة المستقلة منها، تجد نفسها في مواجهة صعوبات مالية حقيقية، في ظل تراجع مداخيل الإشهار وتحول الجمهور نحو المنصات الرقمية. هذا الوضع يخلق نوعًا من الهشاشة، قد يدفع بعض المنابر إلى تبني خطوط تحريرية حذرة، أو البحث عن مصادر تمويل قد تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على استقلاليتها.

إلى جانب ذلك، تبرز الإكراهات المهنية كعامل مؤثر في جودة الحرية. فالصحفي، في كثير من الأحيان، لا يشتغل في بيئة مثالية تضمن له الحماية والاستقلال، بل في سياق قد تحكمه اعتبارات السرعة، والمنافسة، والسبق الصحفي. وهو ما قد يؤدي إلى تنازلات غير معلنة، تمس جوهر العمل الصحفي القائم على الدقة والتوازن.

ولا يمكن إغفال تأثير الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت تشكيل المشهد الإعلامي بشكل جذري. فمن جهة، فتحت هذه الوسائل فضاءات واسعة للتعبير، وأتاحت للصحفيين الوصول إلى جمهور أوسع. لكن من جهة أخرى، ساهمت في انتشار الأخبار الزائفة، وأضعفت مكانة الصحافة المهنية أمام سيل من المحتوى غير المنضبط. وهنا، لم تعد حرية الصحافة فقط مسألة “منع أو سماح”، بل أصبحت أيضًا مسألة “جودة ومصداقية”.

كما أن الحديث عن حرية الصحافة يفرض التوقف عند إشكالية الخطوط الحمراء، سواء كانت قانونية أو غير معلنة. فبعض المواضيع تظل حساسة، ويصعب تناولها دون حذر، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود النقد المشروع، والفاصل بين حرية التعبير واحترام الثوابت أو المصالح العليا. هذه المنطقة الرمادية هي التي تجعل ممارسة الحرية في كثير من الأحيان محكومة بالتقدير الشخصي للصحفي أو المؤسسة.

في المقابل، لا ينبغي اختزال الإشكال في العوامل الخارجية فقط، إذ تتحمل الصحافة نفسها جزءًا من المسؤولية. فالتراجع في أخلاقيات المهنة، والانزلاق نحو الإثارة أو البحث عن “البوز”، يضر بصورة الإعلام ويضعف ثقة الجمهور فيه. وهو ما قد يُستغل أحيانًا لتبرير فرض مزيد من القيود.

إن حرية الصحافة، في جوهرها، ليست امتيازًا ممنوحًا، بل هي ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي. لكنها في الآن ذاته مسؤولية جماعية، تتقاسمها الدولة، والمؤسسات الإعلامية، والصحفيون، وحتى الجمهور.

وفي ظل هذه التعقيدات، يمكن القول إن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في الدفاع عن “حق الكلام”، بل في ضمان استقلالية الكلمة ومصداقيتها. فالكلمة قد تكون حرة من حيث الشكل، لكنها موجهة من حيث المضمون، وقد تكون مسموحًا بها، لكنها فاقدة للتأثير.

ختاما حرية الصحافة اليوم لا تُقاس فقط بغياب الرقابة، بل بمدى قدرة الصحفي على العمل دون خوف أو تبعية، وبمدى ثقة المجتمع في ما يُنشر. وبين الحرية والمسؤولية، تبقى المعركة الحقيقية هي الحفاظ على توازن دقيق: كلمة حرة… ولكن أيضًا كلمة مسؤولة.

مشاركة