الرئيسية غير مصنف الدائرة الاستئنافية بوجدة… حين تتعانق صرامة القضاء مع يقظة الحدود لصناعة نموذج عدالة يُحتذى به

الدائرة الاستئنافية بوجدة… حين تتعانق صرامة القضاء مع يقظة الحدود لصناعة نموذج عدالة يُحتذى به

IMG 3600
كتبه كتب في 2 مايو، 2026 - 2:05 صباحًا

بقلم عزيز بنحريميدة

في أقصى شرق المملكة، حيث تختبر الجغرافيا صلابة المؤسسات وتفرض الحدود إيقاعها الخاص على مختلف التحديات الأمنية والقانونية، تقف الدائرة الاستئنافية بوجدة شامخة كحصن منيع للعدالة، وكعنوان بارز لنجاعة القضاء المغربي في مواجهة أعقد القضايا وأكثرها حساسية. هنا، لا يُقاس العمل القضائي فقط بعدد الملفات أو بطبيعتها، بل بمدى القدرة على تحويل خصوصية المجال الحدودي إلى فرصة لترسيخ هيبة الدولة وإعادة الاعتبار للقانون كمرجعية وحيدة لحسم النزاعات.

لقد استطاعت محاكم الدائرة الاستئنافية بوجدة، بمختلف درجاتها واختصاصاتها، أن تفرض إيقاعا مهنيا متقدما، سواء على مستوى القضاء الزجري أو المدني أو التجاري، حيث تتكامل أدوار محكمة الاستئناف مع المحاكم الابتدائية التابعة لها، في منظومة منسجمة تحرص على ضمان حقوق المتقاضين وتكريس شروط المحاكمة العادلة. ولم يكن هذا التميز وليد ظرف عابر، بل ثمرة رؤية مؤسساتية واضحة، يقودها مسؤولون قضائيون جعلوا من التخليق والنجاعة عنوانا لمرحلة جديدة من العمل القضائي بالمنطقة.

في ردهات هذه المؤسسة، تتجلى صورة قضاة يحملون على عاتقهم رسالة العدالة بكل تجرد واستقلال، يجمعون بين عمق التكوين القانوني والصرامة في تطبيق النصوص، وبين الحس الإنساني الذي يراعي خصوصية كل ملف وسياقه الاجتماعي. قضاة الدائرة الاستئنافية بوجدة لم يكونوا يوما مجرد منفذين للقانون، بل فاعلين في ترسيخ الأمن القضائي، من خلال أحكام رصينة، معللة تعليلا قانونيا محكما، تعكس مستوى عاليا من الاجتهاد والانضباط، وتُسهم في توحيد التوجهات القضائية وتعزيز الثقة في القضاء.

وإلى جانب قضاة الحكم، تبرز أيضا النيابة العامة كركيزة أساسية في هذه المنظومة، حيث أبان السادة نواب الوكيل العام للملك والسادة نواب وكيل الملك عن يقظة مهنية عالية في تتبع القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالجرائم العابرة للحدود، من تهريب واتجار غير مشروع وتزوير ونصب، وهي جرائم تفرض سرعة في التدخل ودقة في التكييف القانوني. وقد ساهم هذا الحضور القوي للنيابة العامة في تجفيف منابع الجريمة المنظمة، وجعل من الدائرة الاستئنافية بوجدة فضاءً عصيا على كل أشكال الانحراف.

غير أن ما يمنح هذه التجربة القضائية عمقها الحقيقي، هو ذلك الانخراط المسؤول لأطر كتابة الضبط، الذين يشكلون العمود الفقري للإدارة القضائية. فبفضل كفاءتهم والتزامهم، تحققت نقلة نوعية في تدبير الملفات، سواء من خلال تسريع المساطر أو عبر الانخراط الفعلي في ورش الرقمنة وتحديث الخدمات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة استقبال المرتفقين وشفافية الإجراءات. لقد أصبح عمل كتابة الضبط بوجدة نموذجا للانضباط الإداري الذي يواكب القضاء في رسالته، ويحصنه من كل مظاهر الارتباك أو التلاعب.

وفي قلب هذا المشهد المتكامل، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يضطلع به المحامون بهيئة وجدة، والذين راكموا بدورهم تجربة مهنية مشهود لها بالرصانة والعمق القانوني. فالمحامي بالمنطقة ليس مجرد طرف في الخصومة، بل شريك أساسي في تحقيق العدالة، يواكب تطور التشريع ويؤطر دفوعاته بمنطق قانوني دقيق، مساهما بذلك في إغناء النقاش القضائي ورفع مستوى المرافعات، بما ينعكس إيجابا على جودة الأحكام الصادرة.

ولعل التحول الأبرز الذي بصم تجربة الدائرة الاستئنافية بوجدة خلال السنوات الأخيرة، هو قدرتها على القطع مع مظاهر السمسرة والوساطة التي كانت، في فترات سابقة، تحاول التسلل إلى محيط العدالة. فقد أصبحت هذه المؤسسة، بفضل صرامة مسؤوليها ونزاهة قضاتها ويقظة أجهزتها، بمثابة “مقبرة حقيقية” للسماسرة والنصابين، حيث تم تفعيل آليات مراقبة دقيقة، والتصدي بحزم لكل محاولات استغلال المتقاضين أو الادعاء بوجود نفوذ وهمي داخل المحاكم. هذا التحول لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة مفادها أن العدالة لا تُشترى ولا تُساوم، وأن القانون فوق الجميع.

إن وجدة، بما تحمله من رمزية تاريخية وموقع استراتيجي، لم تعد فقط مدينة حدود، بل أصبحت عنوانا لعدالة قوية، متماسكة، قادرة على حماية الحقوق وصون الحريات، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تخليق الحياة العامة وتقريب القضاء من المواطن. وما تحقق داخل الدائرة الاستئنافية بوجدة، يؤكد أن الإرادة الصادقة، حين تقترن بالكفاءة والنزاهة، قادرة على إحداث تحول حقيقي في بنية العدالة، وجعلها رافعة أساسية للتنمية والاستقرار.

هكذا تكتب وجدة، بهدوء وثقة، فصلا جديدا من فصول العدالة المغربية، عنوانه قضاء مستقل، إدارة فعالة، ومحاماة رصينة… في منظومة لا تؤمن إلا بسيادة القانون، ولا تقبل بغير إنصاف المتقاضين سبيلا

مشاركة