الرئيسية آراء وأقلام لماذا يكذب الساسة؟

لماذا يكذب الساسة؟

WhatsApp Image 2026 04 30 at 14.17.47
كتبه كتب في 30 أبريل، 2026 - 1:22 مساءً

ذ. رضوان الطاهري

الكذب في السياسة ليس سلوكا طارئا أو استثناء، بل هو جزء متكرر من طريقة إدارة الخطاب العام في كثير من الأنظمة السياسية عبر التاريخ. حين يسعى السياسي إلى الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، يصبح الخطاب أداة تأثير بقدر ما هو وسيلة إخبار، وهنا تظهر مساحة التلاعب بين الحقيقة وما يُراد للجمهور أن يراه أو يصدقه. فغالبا ما تُقدم الوعود بشكل يفوق القدرة الواقعية على التنفيذ، أو تُصاغ المعلومات بطريقة انتقائية تُبرز جانبا وتُخفي جوانب أخرى، ليس دائما بدافع الخداع المباشر، بل أحيانا بدافع الإقناع أو كسب الوقت أو تفادي خسارة سياسية.

في أوقات الأزمات والحروب أو الاضطرابات الاقتصادية، يتسع هذا الهامش أكثر، حيث تلجأ الحكومات إلى تقليل حجم الحقائق أو تأجيل إعلانها أو إعادة صياغتها، بحجة حماية الاستقرار العام أو منع الذعر. كما أن طبيعة المنافسة السياسية تدفع الأطراف المختلفة إلى استخدام روايات متعارضة، قد تتضمن مبالغات أو تحريفا للوقائع من أجل إضعاف الخصوم أو تعزيز الصورة الذاتية. ومع تعقد القضايا العامة وتشابك المصالح، يصبح من الصعب أحيانا تقديم صورة كاملة وبسيطة في آن واحد، فيلجأ بعض السياسيين إلى تبسيط مخل أو اختيار معلومات بعينها تخدم رسالتهم.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال السياسة في الكذب وحده، فهناك مستويات متفاوتة من الالتزام بالصدق والشفافية، وهناك أيضا مؤسسات إعلامية ورقابية يفترض أن تحد من التضليل وتكشفه. لكن الحقيقة تبقى أن العلاقة بين السياسي والجمهور تقوم على التفاوض الدائم حول المعلومة: من يملكها، وكيف تُقدم، وما الذي يُقال وما الذي يُترك خارج الخطاب، وفي النهاية، لا يكون التحدي في وجود الكذب فقط، بل في قدرة المجتمع على التمييز بين الإقناع المشروع والتضليل المتعمد.

مشاركة