في مشهد انتخابي يتكرر بإيقاع مألوف، لا تبدو المنافسة هذه المرة بين البرامج بقدر ما هي بين الرموز، ولا بين المشاريع بقدر ما هي بين الأسماء والواجهات. ميزان يُرفع هنا، كتاب يُستعار هناك، حمامة تحلّق بلا بوصلة، وجرّار يغيّر مساره أكثر مما يحرث أرضه، وورود تُوزَّع بدل التزامات قابلة للقياس. خلف هذا التعدد الظاهري، يبرز سؤال أعمق: هل نحن أمام تنافس سياسي فعلي، أم أمام إعادة توزيع للتموقعات داخل مشهد متحوّل باستمرار؟
ما يلفت الانتباه في هذه الدورة السياسية ليس فقط تكاثر الرموز، بل تكاثر “المواقع السياسية” نفسها، وكأن الفاعل الحزبي لم يعد مرتبطًا بفكرة أو مشروع بقدر ما أصبح مرتبطًا بفرصة. هنا تبدأ ظاهرة الترحال السياسي في فرض منطقها: انتقال من حزب إلى آخر، من خطاب إلى نقيضه، ومن مرجعية إلى أخرى، دون أن يمر ذلك بالضرورة عبر مراجعة فكرية أو مساءلة ذاتية.
هذا الترحال لا يحدث في الفراغ، بل داخل سوق سياسي مفتوح على كل الاحتمالات، حيث تصبح الأحزاب محطات أكثر منها مدارس فكرية. ينتقل الفاعل من “رمز” إلى آخر كما ينتقل من لافتة إلى أخرى، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: ماذا تغيّر في الرؤية؟ وما الذي يبرر هذا التنقل المتكرر بين التنظيمات؟
في هذا السياق، تفقد الرموز السياسية معناها الأصلي، وتتحول إلى مجرد واجهات قابلة للاستبدال. فالميزان لم يعد تعبيرًا عن العدالة، بل بطاقة دخول ظرفية. والكتاب لم يعد مرجعًا فكريًا، بل شعارًا قابلًا لإعادة التوظيف. أما الحمامة، فقد تخلّت عن رمز السلام لتصبح مجرد علامة انتخابية موسمية. والجرار، بدل أن يرمز إلى البناء، صار شاهدًا على مسارات متعرجة داخل الحقل السياسي نفسه.
الأخطر من ذلك أن هذا التنقل بين الأحزاب ينعكس على ثقة المواطن في الفعل السياسي برمّته. فحين يرى الفاعل ينتقل بسهولة بين تنظيم وآخر، وبين خطاب وآخر، يتولد انطباع بأن الفروقات بين الأحزاب لم تعد جوهرية، بل شكلية فقط، وأن ما يجري هو تنافس على المواقع لا على الأفكار.
التجربة السياسية في مثل هذا السياق تتحول تدريجيًا إلى سباق مفتوح على “التموقع”، حيث يصبح معيار النجاح هو القدرة على إعادة التموضع في الوقت المناسب، لا الالتزام بمشروع طويل النفس. وهكذا تتراجع قيمة الانتماء الحزبي، لصالح منطق البراغماتية السياسية السريعة، التي لا تعترف بالثبات إلا بقدر ما يخدم المرحلة.
في نهاية هذا المشهد، لا يعود الناخب أمام اختيارات سياسية واضحة بقدر ما يكون أمام خريطة متحركة من التحالفات والرموز والوجوه. ومع كل موسم انتخابي، يتأكد أن المعركة لم تعد فقط على الأصوات، بل أيضًا على إعادة تشكيل الاصطفافات نفسها.
إن الخلاصة الأعمق هنا ليست في كثرة الرموز، بل في سيولة الانتماء السياسي. فحين يصبح الترحال قاعدة، والتسابق على الأحزاب أسلوبًا، يفقد الفعل السياسي جزءًا من جوهره، ويتحول التنافس إلى إدارة مستمرة للتموقعات، أكثر منه صراعًا حقيقيًا حول المشاريع والرؤى.
عندما تتحول السياسة إلى سباق في اختيار الشعار والترحالٍ بين الأحزاب.

كتبه Srifi كتب في 29 أبريل، 2026 - 9:23 مساءً
مقالات ذات صلة
29 أبريل، 2026
من نبوءةٍ مُرّة إلى سقوطٍ مكشوف… حين يتحوّل التحذير إلى فضيحة داخل الوداد الرياضي
بقلم : أمين شطيبة قبل أن يعتلي هشام آيت منا كرسي الرئاسة، مرّت إشارة قاسية من جماهير الرجاء الرياضي، مفادها [...]
29 أبريل، 2026
البتروياوان…. هرمز يغير نظام العالم
بقلم: إيمان الفناسي عندما فك نيكسون، الرئيس الأمريكي، الارتباط بين الذهب والدولار، فيما يعرف بصدمة نيكسون لدى الاقتصاديين، برز مفهوم [...]
27 أبريل، 2026
«كل دار فيها كيدار»… وجع يتوارثه الصمت داخل البيوت
ذ. رضوان الطاهري لم يعد المثل الشعبي المغربي «كل دار فيها كيدار» مجرد تعبير دارج يُتداول في المجالس، بل تحول [...]
24 أبريل، 2026
للحديث بقية لمن أعلن موتنا
بقلم / بديعة الراضي “من يقول إن الاتحاد الاشتراكي انتهى، لا ينظر إلى موقعه داخل الأممية الاشتراكية، ولا إلى آلاف [...]
