بقلم: سعد ميكو
باحث في العلوم الجنائية والأمنية.
تقديـــــم :
شكل صدور القانون 03-23 ، المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية رقم 22-01 ، محطة فاصلة في مسلسل إصلاح العدالة الجنائية وتطبيق ضمانات حقوق الإنسان و المحاكمة العادلة وأنسنة مساطر الحرمان من الحرية في انسجام وتناسق مع التجارب الدولية في هذا المجال ، لكي نصبح أمام عدالة مرنة هدفها حماية حقوق رعايا صاحب الجلالة في أي وضعية كانوا فيها .
وإذا كان صدور هذا القانون ، قد جاء في سياق دولي ووطني يحتم ضرورة مراجعة النصوص القانونية خصوصا في شقها الإجرائي بما يواكب تطور الجريمة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتجديد ثقة المواطن في السلطة القضائية و الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون ، و الجدير بالإشارة أنه في هذا السياق تم تغيير وتتميم ” 286 مادة ” وإضافة ” 106 ” مادة جديدة وتعويض ” 62 ” مادة وحذف ” 5 ” مواد ، أي بمعدل 420 مادة في هذا القانون قد طالها التغيير .
ومن المستجدات التي جاء بها هذا القانون والتي دونت في صلبه ، مسطرة ” التحقق من الهوية ” هذه الألية المسطرية التي تم تنظيمها بمقتضى الباب الرابع من الكتاب الأول من ق.م.ج بموجب المواد ( 82ـ3ـ7 – 82ـ3ـ11 )
وفي ضل الحديث عن هذه المكنة القانونية حري بنا الرجوع إلى بعض مقتضيات القانون” 04-20 “المنظم للبطاقة الوطنية للتعريف الإليكترونية.
توضيحات :
أولا : الموظفين المكلفين بالتحقق من الهوية .
خلافا لأي مقتضى تشريعي يجري التحقق من الهوية وفق الكيفيات الأتية ، يمكن لضباط الشرطة القضائية المنصوص عليهما حصرا في المادة 20 من ق.م.ج ، أو بأمر من هؤلاء وتحت مسؤوليتهم لأعوان الشرطة القضائية المذكورين بموجب المادة 25 من نفس القانون ، التحقق من هوية الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم جريمة ، أو الذين يشكلون تهديدا للأشخاص و الممتلكات أو الأمن العام , أو الذين قد يتوفرون على معلومات لفائدة البحث ولصالح حسن سير العدالة ، أو تدابير مأمور بها من قبل السلطة القضائية المختصة .
إن مثل هذه المقتضيات لاتطرح إشكالا بالنسبة للأشخاص المتوفرين على بطائقهم الوطنية للتعريف ، حيث مجرد طلبها منه سوف يتم التحقق منه سواء عبر برقية على جهاز الاسلكي في اتصال مع قاعة القيادة و التنسيق بالمصالح الشرطية أو الدركية حيث سيتم تنقيطه في حينه ” إيجابيا أوسلبيا ” ، مع اتخاذ المتعين طبقا للقانون نفس الشيء بالنسبة لتنقيطه على الألواح الإليكترونية المحمولة من طرف الموظف ، وهو من الإجراءات الروتينية العادية التي يقوم بها عنصر القوة العمومية في احترام تام لأخلاقيات ضوابط المهنة وفي إطار احترام حقوق الإنسان .
وفي هذا الإطار يمكن للشخص الإدلاء بأي سند للهوية مثل ” جواز السفر أو رخصة السياقة أو عن طريق صورة فوتوغرافية للبطاقة الوطنية محملة على الهاتف .
وهذا هو العادي في مثل هذه الحالات خصوصا بالنسبة للشخص الذي لا يحمل أي سند للهوية ، أو قد يكون غير ناجز للبطاقة الوطنية للتعريف وهم حالات عديدة في الواقع العملي وبالتالي يجد ضابط الشرطة أو عونها نفسه أمام مسطرة قد تستغرق ساعات بمقر الديمومة .
فقد يدلي الشخص بمعلومات كاذبة حول هويته ، وقد يصعب التعرف عليه في أحيان اخرى نتيجة عدم تعاونه مع عناصر القوة العمومية وبالتالي نصبح أمام مسطرة تستغرق من الجهد و التقنية الوقت اليسير .
ثانيا : سيرورة مسطرة التحقق من الهوية .
يمكن لضابط الشرطة القضائية اقتياد الشخص ، الذي يرفض الإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليه إلى مقر الشرطة القضائية من أجل التحقق من هويته .
وفي هذا الإطار تستعين الضابطة القضائية ، بكافة العناصر التي يمكن أن تساعد على تحديد هوية الشخص ومن بينها الاتصال بعائلته أو معارفه بناءا على طلبه ، وإذا كان أو مستخدما أو أجير فبمشغله ” الفقرة 2 من المادة 82ـ3ـ9 ” ق.م.ج .
و الجدير بالذكر أنه إذا كان من يجري التحقيق من هويته حدثا فيجب إشعاره ويتم الاستماع للحدث بحضوره او بحضور المحامي ، وهو نفس المقتضى الذي يمكن تفعيله بالنسبة للبالغ في الشق المتعلق بالاتصال بالمحامي
ثالثا : الزمن في إطار مسطرة التحقق من الهوية.
إستنادا إلى مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 82ـ3ـ9 ، لا يمكن أن تتجاوز عملية إيقاف الشخص من أجل التحقق من هويته الوقت القانوني والمحدد في ” 4 ساعات ” ، تحتسب من لحظة إيقاف المعني بالإجراء المسطري ويجب في نفس الإطار على الضابط أو العون المكلف من قبله تحري الدقة في التوقيت بالساعة و الثانية بتوقيت غرينتش ، تفاديا لخرقه القانون ، ويمكن تمديد الأربع ساعات إلى أربع أخرى إضافية بإذن من ممثل النيابة العامة المداوم وله في أي لحظة وقف هذه المسطرة .
وللإشارة وتفاديا للمساءلة الجنائية و الإدارية للضابط أو العون يجب عليه احترام التوقيت المذكور اعلاه ، وإلى اعتبر قرينة قانونية على ارتكابه ” جريمة الاعتقال التحكمي ” ، و المقصود بها عدم اتباع الإجراءات القانونية الصحيحة في المساطر المتعلقة بالحرمان من الحرية أي عدم احترام الضوابط القانونية لتقييد حرية الشخص ” الفصول من 225 إلى 230 ق.ج ” .
وفي هذا الإطار ينص الفصل 225 من ق.ج على مايلي ، ” كل قاض أو موظف عمومي أو أحد رجال السلطة أو القوة العمومية ، يأمر أو يباشر بنفسه عملا تحكميا ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب ” بالتجريد من الحقوق الوطنية ” ، لكن إذا ثبت أنه تصرف بناءا على أمر صادر من رؤسائه في مادة تدخل في نطاق اختصاصاتهم ويوجب عليه طاعتهم ، فإنه يتمتع بعذر معف من العقاب وفي هذه الحالة تطبق العقوبة على الرئيس الذي أصدر الأمر وحده .
وإذا كان العمل التحكمي أو المساس بالحرية الفردية قد ارتكب أو موجه لغرض ذاتي أو بقصد إرضاء أهواء شخصية ، طبقت العقوبة المقررة في الفصول ” 436 إلى 440 ” ق.ج.
رابعا : مقتضيات حمائية لضابط الشرطة القضائية.
ضابط الشرطة القضائية أو العون المكلف من قبل الضابط صاحب الصفة الأصلية في إطار هذه المسطرة ، يفترض فيهم بحكم الاحترافية و العمل اليومي في الميدان التحلي ” باليقظة القانونية ” ورد الفعل المسطري السريع الفوري و الاتزان النفسي و الهدوء في إطار تطبيق هذه المسطرة القانونية الحساسة نوعا ما وهو ما يجب عليه الركون عليه يوميا في إطار عمله بمعنى أكثر وضوح على العناصر الأمنية دائما التوفر على المضادات الحيوية لمجابهة الداء وخير مضاد حيوي هو قانون المسطرة الجنائية و القانون الجنائي والنصوص القانونية الخاصة ذات الصلة ومنها القانون 04-20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإليكترونية.
هذا الأخير الذي أقر غرامات مالية في حالة عدم إنجاز “ب.ت.و”، أو تجديدها أو رفض الإدلاء بها لمن لهم الحق في إطار هذه المسطرة.
✓ 300 إلى 400 درهم غرامة مالية تفرض على كل شخص يبلغ من العمر 16 سنة شمسية كاملة أو أكثر لم يتقدم لدى المصالح المختصة بطلب الحصول على “ب. ت.و” ضمن الأجل القانوني .
✓ 200 درهم تطبق على كل من لم يباشر إجراءات تجديدها عند انتهاء مدة صلاحيتها ، أو عند تغيير العنوان أو المعطيات الشخصية ذات الصلة ( المادة 15 ) .
✓ 100إلى 150 درهم غرامة تفرض على من يحمل البطاقة الوطنية للتعريف ، ولم يدلي بها أمام ضابط الشرطة القضائية أو عون من أعوان الشرطة القضائية ( المادة 16 ) .
هذه المقتضيات القانونية الخاصة با الهوية سواء منها الرقمية أو المادية ، فما هو الجواب الجنائي عن بعض الأفعال التي قد تكون مرتبطة بهذه المخالفات ؟ .
جريمة إهانة الموظف العمومي ” الفصل 263 من القانون الجنائي المغربي.
يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين وخمسين إلى خمسة آلاف درهم، من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها، أو بكتابة أو رسوم غير علنية وذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم.
وإذا وقعت الإهانة على واحد أو أكثر من رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين في محكمة، أثناء الجلسة، فإن الحبس يكون من سنة إلى سنتين .
جريمة الإدلاء بمعلومات كاذبة للضابطة القضائية من أجل تضليلها يعتبر إهانة ويعاقب عليه بمقتضى الفصل 264 ق.ج .
جريمة العصيان وعدم الامتثال ” الفصول من 300 إلى 308 من المجموعة الجنائية “ .
نافلة القول ، فمسطرة التحقق من الهوية إجراء مسطري وقائي استباقي هدفه منه وقوع الجريمة ووقاية المجتمع من الشوائب الأمنية ، بموجبه يمنح للضباط ذوي الصفة أو أعوان الشرطة القضائية بناءا على إذن وتحت إشراف الضابط ، التدخل بحسه الأمني وما يمليه عليه الشرف و الضمير المهني لمنع وقوع الجريمة من طرف الأشخاص المشتبه فيهم بارتكاب جنح وجنايات وكذلك الأشخاص المفيدين في البحث ولحسن سير العدالة ، لكن هذا الإجراء المسطري مقرون بتلازمية ممارسة الواجب مع احترام ضمانات حقوق الإنسان تفاديا للوقوع في الغلط وقد يصبح نتيجة لذلك متابعا قضائيا وتأديبيا ، فإذا كان الأصل في أعمال الإدارة و الموظف التابع لها هو المشروعية فالأصل في الإنسان البراءة وحسن النية إلى أن يثبت العكس .

