بقلم عزيز بنحريميدة
في الحقل القضائي تبقى بعض الأسماء شاهدة على أن العدالة ليست مجرد نصوص جامدة، بل روح تُمارس، وقيم تُجسد، ومسؤولية تُحمل بضمير حي. من بين هذه الأسماء، تبرز القاضية فاطنة كرماسي، المستشارة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، كواحدة من الوجوه التي راكمت احتراماً واسعاً داخل أسرة العدالة، لما عرف عنها من نزاهة، ورصانة في التكوين، وهدوء في الأداء، وحزم في تطبيق القانون.
فاطنة كرماسي ليست فقط قاضية تُصدر الأحكام، بل هي نموذج لامرأة اختارت أن يكون القانون مساراً للحياة، لا مجرد وظيفة. تكوينها القانوني الرصين لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار علمي متين، قائم على الاجتهاد والانضباط، وهو ما ينعكس بشكل واضح في تعاطيها مع الملفات المعروضة عليها، حيث تحرص على الإلمام بكل جزئياتها، وتُولي أهمية خاصة للتفاصيل التي قد تصنع الفارق بين قبول أو رفض الطلب .
ما يميز أداءها القضائي، ليس فقط دقة الأحكام، بل أيضاً أسلوبها في تدبير الجلسات، حيث يسود الاحترام المتبادل بينها وبين مختلف مكونات العدالة، من قضاة وزملاء، إلى محامين ومرتفقين. حضورها داخل القاعة يجمع بين الوقار والصرامة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن هيبة القضاء لا تُفرض، بل تُكتسب بالسلوك اليومي، وبالعدل في القرار.
وقد استطاعت القاضية فاطنة كرماسي، عبر سنوات من العمل الجاد، أن ترسخ صورة القاضية التي تُنصت قبل أن تحكم، وتفهم قبل أن تُقرر، وتزن الأمور بميزان القانون والضمير معاً. أحكامها، التي يصفها كثير من المهنيين بـ”النيرة”، ليست فقط تطبيقاً حرفياً للنصوص، بل قراءة عميقة لروح العدالة، واستحضار دقيق لمبادئ الإنصاف.
اللافت أيضاً في مسارها، ذلك الإجماع شبه التام على احترامها، سواء من طرف القضاة الذين يقدرون كفاءتها، أو من طرف المحامين الذين يجدون في تعاملها نموذجاً للحياد والإنصاف. وهذا الاحترام لا يُمنح بسهولة في الوسط القضائي، بل يُنتزع عبر سنوات من الالتزام والاستقامة المهنية.
في عالم العدالة، حيث تُختبر الضمائر قبل النصوص، تبقى القاضية فاطنة كرماسي مثالاً على أن القضاء يمكن أن يكون رسالة نبيلة، حين يُمارس بإخلاص، وأن القاضي، حين يجمع بين العلم والنزاهة، يصبح صمام أمان حقيقي للمجتمع.
هي ليست مجرد اسم في لائحة القضاة، بل قيمة مضافة لمنظومة العدالة، ونموذج يُحتذى به في زمن يحتاج فيه القضاء إلى كفاءات تحمل همّ العدالة بصدق ومسؤولية

