الرئيسية غير مصنف بين وثيقة الطب الشرعي وضجيج الإعلام… هل تنتصر الحقيقة في ملف “ولد الفشوش”؟

بين وثيقة الطب الشرعي وضجيج الإعلام… هل تنتصر الحقيقة في ملف “ولد الفشوش”؟

IMG 0102
كتبه كتب في 24 أبريل، 2026 - 5:07 صباحًا

بقلم: عزيز بنحريميدة
مدير جريدة صوت العدالة

في تطور لافت ضمن أطوار ملف “ولد الفشوش”، استجابت هيئة المحكمة لطلب دفاع المتهم أشرف صديقي، ومنحت مهلة للاطلاع على الوثيقة المثيرة للجدل الواردة ضمن تقرير التشريح الطبي، في خطوة تعكس تمسك القضاء بضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حق الدفاع في مناقشة الأدلة والاطلاع الكامل عليها.

هذه الاستجابة، التي تنسجم مع منطق العدالة وروح القانون، لم تمر دون إثارة ردود فعل متباينة، إذ لم يستسغها دفاع المطالب بالحق المدني، وهو موقف يثير تساؤلات مشروعة، خاصة وأن إعادة فحص وثيقة صادرة عن الطبيبة الشرعية لا يمكن أن يكون إلا في اتجاه تعزيز الحقيقة، وتحديد السبب الحقيقي للوفاة بعيداً عن أي لبس أو احتمال.

إن المحكمة، وهي تمنح هذه المهلة، لا تؤخر العدالة كما قد يُروّج، بل تؤسس لها على أرضية صلبة، لأن القناعة القضائية لا تُبنى على الاستعجال، بل على التمحيص والتدقيق، خصوصاً في ملف صدرت فيه أحكام ابتدائية ثقيلة بلغت حد الإعدام والمؤبد، ما يفرض في المرحلة الاستئنافية أعلى درجات الحذر.

غير أن ما يثير القلق الحقيقي، ليس فقط الجدل القانوني داخل قاعة المحكمة، بل أيضاً ما يُواكبه من انزلاقات إعلامية خطيرة، بدأت في بعض الأحيان تُخرج النقاش من إطاره المهني إلى مساحات التأثير العاطفي والاصطفاف غير المبرر.

فالإعلام، وهو يؤدي رسالته النبيلة، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بأقصى درجات المسؤولية، وتجنب كل ما من شأنه صبّ الزيت على النار، أو تأجيج الوضع بين أسر الضحية وأسر المتهمين. لأن الانحراف عن الموضوعية لا يخدم الحقيقة، بل يطمسها، ولا ينصر العدالة، بل يربكها.

إن شيطنة عائلات المتهمين، أو تقديمهم في صورة جاهزة للرأي العام، يتنافى مع أبسط قواعد المهنية، ومع مبدأ قرينة البراءة التي تظل قائمة إلى حين صدور حكم نهائي. كما أن هذه الأسر تعيش اليوم وضعاً إنسانياً بالغ القسوة، لا يقل ألماً عن معاناة أسرة الضحية، في سياق مأساة واحدة عصفت بالجميع دون استثناء.

فالحقيقة التي يجب أن تُقال، هي أن الجميع اليوم ضحايا واقعة عرضية عابرة، غيرت مجرى الحياة لأسر بكاملها، ودفعت بهم إلى دوامة من الألم والانتظار والترقب. ومن هذا المنطلق، فإن تغليب خطاب التهدئة، والالتزام بالحياد، هو أقل ما يمكن أن يقدمه الإعلام في مثل هذه اللحظات الحساسة.

إن نقل الخبر بموضوعية لا يعني التزام الصمت، بل يعني تقديم الوقائع كما هي، دون توجيه أو ضغط أو انتقاء يخدم جهة على حساب أخرى. فالإعلام ليس طرفاً في الخصومة، بل شاهد على الحقيقة، ومسؤول أمام المجتمع والتاريخ.

وفي خضم هذا كله، يبقى الأمل معقوداً على حكمة القضاء، وعلى وعي الجسم الإعلامي، وعلى روح المجتمع المغربي التي لطالما عبرت عن إنسانيتها في مثل هذه المحن، مرددين جميعاً دعاءً صادقاً من عمق الوجدان:
“الله يخرجنا من دار العيب بلا عيب… والله يحد الباس.”

مشاركة