الرئيسية غير مصنف ملف “بدر” بين روايات متضاربة… حين تُحجب الحقيقة الكاملة خلف زاوية واحدة

ملف “بدر” بين روايات متضاربة… حين تُحجب الحقيقة الكاملة خلف زاوية واحدة

IMG 8054
كتبه كتب في 16 أبريل، 2026 - 7:52 مساءً

بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة

شهدت قاعة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بروز معطيات جديدة من شأنها إعادة توجيه النقاش القانوني والإعلامي في ملف مقتل الدكتور بدر، المعروف إعلامياً بملف “ولد الفشوش”. معطيات لم تمر مرور الكرام على والدة الضحية، التي غادرت الجلسة – وفق ما عاينه الحاضرون – بنوع من الفرح أثار استغراب الملاحظين، بعدما وجدت في تصريحات المتهمين ما يعزز توريط اشرف صديق و تحميله كامل المسؤولية في جريمة مقتل ابنها الدكتور بدر رغم انها إرتكبت من مجموعة من الاشخاص حسب الثابت من شريط الفيديو وتصريحات الشهود.

فخلال جلسات المحاكمة، أجمع المتهمون الثلاثة على أنهم هم من تولوا الاعتداء الجسدي المباشر على الضحية، مؤكدين أن الضربات التي وُجهت إليه، خاصة على مستوى الرأس، كانت قوية إلى درجة أسقطته أرضاً في الحين، ليدخل بعدها في حالة غيبوبة، مع نزيف واضح من الرأس والأذنين، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي الذي أشار إلى أن هذه الإصابات قد تكون سبباً مباشراً أو رئيسياً في الوفاة.

هذه المعطيات تضعنا أمام شق أول من الواقعة، يتمثل في الاعتداء العنيف الذي تعرض له الضحية، وهو شق يحمل في ذاته عناصر خطيرة تستوجب الوقوف عندها من الناحية القانونية، خاصة فيما يتعلق بعلاقة السببية بين الضرب والوفاة.

في المقابل، وفي الشق الثاني من الواقعة، تم التأكيد أمام هيئة المحكمة على أن عملية الدهس لم تكن مسبوقة بأي نية مبيتة للقتل، ولا ترصد، ولا اتفاق جماعي، بل جاءت – وفق الروايات المقدمة – في سياق محاولة الفرار من مكان الحادث، دون العلم بسقوط الضحية أرضاً، ما يطرح إشكاليات قانونية دقيقة حول مدى توافر القصد الجنائي الخاص.

غير أن ما يثير الانتباه، هو أن جزءاً من النقاش الإعلامي ركّز بشكل شبه حصري على واقعة الدهس، مع إغفال الشق الأول المتعلق بالاعتداء الجسدي العنيف، رغم ما يحمله من مؤشرات قوية على علاقته المباشرة بالنتيجة النهائية.

وفي خضم هذا التداخل، برزت دفوعات دفاعية مهمة، تؤكد على أن شهادة متهم على متهم، في ظل التوجهات الحديثة للمسطرة الجنائية، لا يمكن التعويل عليها متى كانت تخدم مصلحة صاحبها أو تهدف إلى التنصل من المسؤولية. وهو ما ينطبق، بحسب الدفاع، على تصريحات المتهمين التي اتسمت بتناقضات واضحة عبر مختلف مراحل الملف، من البحث التمهيدي إلى قاضي التحقيق، ثم أمام هيئات الحكم في درجتي التقاضي.

فهذا التضارب في الأقوال، حين يُقارن مع باقي عناصر الإثبات، يطرح تساؤلات جدية، خاصة أن الخبرات الطبية، وشهادات الشهود، وتسجيلات الفيديو، تقدم معطيات في بعض جوانبها مغايرة، بل وتدفع نحو فرضيات مختلفة بشأن هوية الفاعلين وطبيعة الأفعال المرتكبة. إذ ذهبت بعض الشهادات إلى التأكيد على أن أمين رياض هو من كان يقود السيارة، فيما نسبت إليه روايات أخرى أفعال الضرب والدهس، وهو ما يتناقض مع ما ورد في تصريحاته وتصريحات باقي المتهمين.

أمام هذا الوضع، يصبح من غير السائغ قانوناً ومنطقاً بناء قناعة قضائية على تصريحات متضاربة وغير منسجمة مع باقي القرائن، خاصة عندما تكون صادرة عن أطراف لها مصلحة مباشرة في إعادة توجيه المسؤولية. وهو ما يفرض على هيئة المحكمة قدراً أعلى من التدقيق والتمحيص، من أجل تفكيك هذا التعارض، واستجلاء الحقيقة الكاملة بعيداً عن أي اختزال.

ذلك أن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في جسامة الأفعال المرتكبة، بل أيضاً في الكيفية التي تم بها اختزال القضية، في بعض العناوين، في شخص واحد، وتقديمه كفاعل رئيسي، في حين أن معطيات الملف كما تُعرض داخل المحكمة تشير إلى تعدد الأفعال وتنوع المساهمات، بما يستوجب توزيع المسؤوليات وفقاً لحقيقة الأدوار، لا وفقاً للانطباعات أو الخلفيات الاجتماعية.

إن العدالة الجنائية لا تقوم على صناعة “متهم واحد” يُعلّق عليه كل شيء، بل على تفكيك دقيق للوقائع، ومساءلة كل طرف بقدر مشاركته الفعلية، استناداً إلى أدلة ثابتة ومنسجمة. أما الانسياق وراء عناوين تختزل الملف في زاوية واحدة، فإنه لا يخدم الحقيقة، بل قد يُسهم في طمسها.

ومن هذا المنطلق، يبقى الرهان الحقيقي هو يقظة القضاء في قراءة شمولية ومتأنية لكافة عناصر الملف، بما يضمن إنصاف الضحية أولاً، وتحقيق العدالة في بعدها الحقيقي، القائم على محاسبة كل من ثبت تورطه، دون زيادة أو نقصان، ودون توجيه أو انتقاء

مشاركة