الرئيسية غير مصنف تناقضات التصريحات تضع إدانة أشرف الصديقيالملقب إعلاميا بولد الفشوش موضع مساءلة قانونية.

تناقضات التصريحات تضع إدانة أشرف الصديقيالملقب إعلاميا بولد الفشوش موضع مساءلة قانونية.

3a9dabcb 5f89 451a 8675 32c0915a3f4a
كتبه كتب في 16 أبريل، 2026 - 12:20 صباحًا

بقلم: الدكتور عبد الرحيم موهوب
دكتور متخصص في المادة الجنائية
ونظام الإثبات الجنائي

إن هذا النقاش القانوني يندرج في إطار التحليل الأكاديمي البحت، الغاية منه إغناء الفهم القانوني لملف تتداخل فيه الوقائع وتتشابك فيه وسائل الإثبات، دون أن يمس ذلك باستقلال القضاء أو بسلطة المحكمة في تكوين قناعتها وفقًا لما يمليه عليها ضميرها القضائي وقواعد الإثبات الجنائي. فالقضاء وحده يظل الجهة المخولة قانونًا لتقدير الوقائع واستخلاص النية الجنائية من عدمها، في إطار ما استقر عليه العمل القضائي والفقه الجنائي.
إن جوهر الإشكال في هذه القضية لا يكمن فقط في الواقعة المادية المتمثلة في حادثة الدهس، وإنما في تحديد الطبيعة القانونية للفعل، ومدى توافر عناصر القتل العمد، خاصة الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي، إضافة إلى عنصر الإسناد الشخصي الذي يحدد بدقة من هو الفاعل المادي. ذلك أن المادة الجنائية لا تعرف المسؤولية المفترضة، وإنما تقوم على الإسناد الدقيق للفعل إلى شخص معين بناء على يقين لا يداخله شك، وفق ما استقر عليه قضاء محكمة النقض التي أكدت في غير ما قرار أن “الإدانة الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين لا على الاحتمال والظن” (قرار محكمة النقض عدد 1279 بتاريخ 25/12/2013، ملف جنائي عدد 2013/1/6/13338)، كما أكدت في قرار آخر أن “الشك يفسر لفائدة المتهم، ومتى تعددت الاحتمالات تعين ترجيح البراءة” (قرار عدد 742 بتاريخ 21/06/2006، ملف جنحي عدد 2005/3/6/11827).
وبالرجوع إلى وقائع الملف، يتبين أن واقعة الدهس وقعت في سياق فوضوي مشحون بالاضطراب، أعقب شجارًا جماعيًا وتدافعًا بين أطراف متعددة، دون وجود اتفاق مسبق على القتل، ودون وجود دليل مادي قطعي يحدد بشكل جازم هوية السائق لحظة وقوع الفعل. فالتصريحات المتعددة للمتهمين، سواء في مرحلة البحث التمهيدي أو أمام قاضي التحقيق أو أثناء المحاكمة، تكشف تناقضًا جوهريًا حول هذه النقطة المركزية، إذ نسب بعضهم السياقة إلى المتهم أشرف الصديقي، بينما نسبها آخرون إلى متهم آخر، بل إن أحد المتهمين تمسك أمام المحكمة بكونه هو من كان يقود السيارة، وهو ما يجعل عنصر الإسناد محل شك حقيقي لا يمكن تجاوزه في المادة الجنائية.
وفي هذا السياق، استقر الفقه الجنائي المقارن على أن تضارب الروايات بشأن عنصر جوهري في الجريمة ينسف القوة الإثباتية للدليل، إذ يؤكد الفقيه الفرنسي Jean Pradel في مؤلفه “Droit pénal général” أن “تعدد الروايات المتناقضة حول الفعل الجرمي يجعل القاضي أمام شك موضوعي يفرض البراءة إذا لم يوجد دليل خارجي حاسم”. وهو نفس الاتجاه الذي ذهب إليه الفقه المغربي، حيث يؤكد الأستاذ عبد الواحد العلمي في شرحه للقانون الجنائي أن “القاضي الجنائي لا يجوز له أن يبني إدانته على ترجيح رواية متهمة على أخرى في غياب دليل مادي حاسم، لأن ذلك يمس بمبدأ قرينة البراءة”.
إن عنصر القصد الجنائي في جريمة القتل العمد، كما هو منصوص عليه في الفصل 392 من القانون الجنائي المغربي، يقتضي أن تتجه إرادة الجاني إلى إزهاق روح الضحية بشكل مباشر ومقصود. غير أن وقائع هذه النازلة، كما استقرت في مختلف مراحل المسطرة، لا تكشف عن أي تخطيط مسبق، ولا عن أي نية صريحة في القتل، بل على العكس، فإن السياق العام للأحداث يفيد حالة اندفاع وفوضى وانفعال جماعي، تلت شجارًا مفاجئًا نشأ عن تدخل الضحية في واقعة تحرش.
والأهم من ذلك أن المعطيات التقنية المستخلصة من شريط الكاميرا، رغم أهميتها، لم تثبت وجود نية قتل، بل أظهرت أن السيارة عند اقترابها من مكان تجمع الأشخاص، توقفت لحظة عند رؤية حشد بشري، وهو ما يدل على غياب النية الإجرامية المسبقة، لأن الفعل لو كان مقصودًا لتم دون توقف أو تردد. كما أن استعمال الأضواء القوية، وفق ما هو ثابت في الملف، يعكس حالة محاولة رؤية ما أمام السائق في ظرفية ليلية مضطربة، وهو ما ينسجم مع فرضية عدم التبصر وليس مع نية الإزهاق العمدي للروح.
وفي هذا الإطار، أكدت محكمة النقض المغربية في قرارها عدد 200/2 بتاريخ 03/03/2011 في الملف الجنائي عدد 2010/1/6/14389 أن “القصد الجنائي لا يفترض، بل يجب أن يستخلص من وقائع ثابتة تدل دلالة واضحة على اتجاه إرادة الجاني إلى إحداث النتيجة الإجرامية”. كما جاء في قرار آخر عدد 1153 بتاريخ 19/10/2016 أن “مجرد وقوع نتيجة قاتلة لا يكفي وحده لإثبات القتل العمد دون بيان عناصر القصد الجنائي”.
إن الدفع الأساسي في هذا التحليل يتمثل في أن السائق، أيًّا كان شخصه في ظل التناقضات القائمة، لم يكن على علم بوجود الضحية ممددًا على الأرض، ولم يتلق أي إشعار من باقي المتواجدين داخل السيارة بوجود شخص ساقط، وهو ما تؤكده التصريحات المتعددة التي تفيد أن الحركة داخل السيارة كانت مشوبة بالفوضى والخوف، وأن عبارة “البوليس البوليس” صدرت في لحظة ارتباك، مما يدل على أن التصرفات كانت ردود فعل انفعالية وليست أفعالاً مدروسة.
كما أن عنصر السرعة، الذي قد يُستند إليه أحيانًا لإثبات نية القتل، لا يمكن تفسيره هنا إلا في إطار الخوف من تدخل الشرطة، وليس في إطار نية إزهاق الروح، وهو ما يجعل الواقعة أقرب إلى خطأ في السياقة أو عدم التبصر، وليس إلى فعل عمدي. وقد استقر الفقه والقضاء المقارن على أن “السرعة المفرطة في ظروف الهروب لا تكفي وحدها لإثبات نية القتل” (Cass. crim. française, 14 octobre 2003, Bull. crim. n°195).
ومن جهة أخرى، فإن نزع لوحة الترقيم رغم خطورته، لا يمكن قانونيًا أن يُعتبر قرينة قاطعة على سبق الإصرار على القتل، لأن هذا الفعل قد يرتبط برغبة في الإفلات من المسؤولية عن شجار أو حادث سير، وليس بالضرورة نية القتل. وقد أكدت محكمة النقض المغربية في قرارها عدد 987 بتاريخ 14/07/2004 أن “سبق الإصرار حالة ذهنية يجب أن تُستخلص من وقائع ثابتة تدل على التفكير الهادئ والمسبق في ارتكاب الجريمة، وليس من مجرد سلوك لاحق”.
أما بخصوص الدليل التقني، أي شريط الفيديو، فإنه رغم أهميته في إعادة بناء مسرح الواقعة، إلا أنه لا يرقى إلى مستوى الدليل القاطع في تحديد النية أو الجاني، خاصة في غياب الصوت، وتعدد الأشخاص داخل السيارة، وغياب زاوية تصوير دقيقة لحظة الدهس. وهو ما يجعل هذا الدليل قرينة قابلة للتأويل وليس حجة قاطعة، وفق ما استقر عليه الفقه الجنائي الذي يميز بين الدليل المباشر والدليل الظني.
إن جوهر المسؤولية الجنائية يظل مرتبطًا بمبدأ أساسي في القانون الجنائي، وهو أن الشك يفسر لفائدة المتهم، وهو مبدأ لا يقتصر على الفقه، بل يجد جذوره في اجتهادات محكمة النقض المغربية والفرنسية على حد سواء. فقد جاء في قرار محكمة النقض المغربية عدد 1543 بتاريخ 18/11/2010 أن “كل غموض يحيط بالواقعة يجب أن يُفسر لصالح المتهم، وإلا كانت الإدانة مشوبة بخرق لقرينة البراءة”.
وبناءً على مجموع هذه العناصر، يتضح أن نسبة القتل العمد إلى المتهم أشرف الصديقي، أو حتى اعتبار الفعل صادرًا عنه بنية إجرامية، يصطدم بعقبات قانونية جوهرية، أهمها غياب الدليل اليقيني على هوية السائق، وغياب القصد الجنائي، وتعدد الروايات المتناقضة، بالإضافة إلى الظروف الفوضوية التي أحاطت بالواقعة، والتي تجعل من المعقول قانونًا ترجيح فرضية الخطأ أو عدم التبصر بدل القتل العمد.
إن السائق، في ضوء هذه المعطيات، لم يكن في حالة سيطرة إدراكية كاملة على الوضع، بل كان يتحرك في سياق هروب وضغط نفسي وارتباك جماعي، دون أن يُثبت عليه أنه تعمد دهس الضحية أو أنه كان يعلم بوجوده أمام السيارة. وعليه، فإن الفعل، في أقصى حالاته، لا يمكن أن يتجاوز نطاق الخطأ غير العمدي الناتج عن عدم الانتباه أو سوء التقدير، وهو ما يخرج الجريمة من دائرة القتل العمد إلى دائرة المسؤولية غير العمدية، إن ثبتت أصلاً.
وهكذا، فإن التحليل القانوني الدقيق، المدعوم بالفقه والقضاء المقارن، يقود إلى نتيجة مفادها أن الإدانة في هذه الحالة، إذا لم تُبنَ على يقين قاطع وهوية فاعل ثابتة وقصد جنائي مثبت، تكون عرضة لمخالفة القواعد الجوهرية للمادة الجنائية، وعلى رأسها قرينة البراءة، ومبدأ تفسير الشك لفائدة المتهم، وهو ما يشكل حجر الزاوية في العدالة الجنائية الحديثة.

مشاركة