الرئيسية أحداث المجتمع على خط النار ….ازمة التسيير بمركز المسنين بجماعة سيدي علال البحراوي تهدد النزلاء،بالعودة الى الشارع

على خط النار ….ازمة التسيير بمركز المسنين بجماعة سيدي علال البحراوي تهدد النزلاء،بالعودة الى الشارع

IMG 20260411 WA0027
كتبه كتب في 11 أبريل، 2026 - 11:38 صباحًا

بقلم: حسن نطير
لم تكن البداية مجرد حكاية عابرة تُروى على هامش سوق أسبوعي، بل كانت واقعًا قاسيًا يتخفّى خلف تفاصيل يومية تبدو عادية للعيان. خيمة مهترئة تنتصب وسط حركة البيع والشراء، تؤدي دورًا مزدوجًا؛ نهارًا تُقدَّم فيها كؤوس الشاي والقهوة وبعض العجائن، وليلًا تتحول إلى مأوى مؤدى عنه، حيث يُجبر مسنون أنهكهم العمر على دفع مقابل مبيت لا يحفظ كرامتهم ولا يقيهم قسوة البرد. هناك، لم يكن الفقر وحده الحاضر، بل شكل صامت من الاستغلال، حيث تتحول الحاجة إلى مورد، ويُختزل الإنسان في ثمن بقعة أرض داخل خيمة.

هذا المشهد، الذي ظل لسنوات خارج دائرة الانتباه، لم يكن مجرد وضع اجتماعي هش، بل مرآة لاختلال أعمق في التعاطي مع فئة المسنين. وجوه متعبة، أجساد متكوّرة فوق أفرشة بالية، وصمت ثقيل يختزل حكايات طويلة من التهميش والنسيان. لم يكن أحد يسأل كيف وصل هؤلاء إلى هذا المصير، ولا لماذا يُتركون لمواجهة قسوة الشارع وحدهم، وكأن الشيخوخة قدر يُعاش في الظل.

وفي مشهد أكثر إيلامًا، كانت منطقة سيدي علال البحراوي، حيث تنتشر مطاعم الشواء واللحوم المفرومة، نقطة تجمع لعدد من هؤلاء المسنين الذين كانوا يتوافدون عليها لممارسة التسول. وقد كان معظمهم يظهر في أوضاع مزرية، بأثواب متسخة تحيط بها الحشرات، وروائح كريهة تنبعث منهم في مشاهد صادمة ومقززة تستفز الزوار ورواد المطاعم، لتجسد حجم الهشاشة الاجتماعية التي يعيشونها. غير أن هذه الصور القاسية ستختفي لاحقًا مع إطلاق مشروع الإيواء، الذي أعاد تنظيم حياتهم وكرامتهم داخل فضاء إنساني لائق، منهياً تلك المشاهد من الفضاء العام.

حين تم توثيق هذا الواقع في ربورتاج صحفي، لم يكن الهدف إثارة عاطفية عابرة، بل كسر الصمت وتحريك المياه الراكدة. الصور لم تترك مجالًا للإنكار، بل وضعت الجميع أمام سؤال مؤلم: كيف يمكن أن يُجبر إنسان على دفع ثمن نومه في ظروف لا تليق بكرامته؟

ومع ذلك، لم تبقِ الحكاية أسيرة هذا الواقع. تحت تأثير الترافع الإعلامي وتفاعل الرأي العام، تحركت مبادرة إنسانية بجماعة البحراوي، في إطار عمل الجمعية الخيرية الإسلامية، لتُخرج مشروعًا لإيواء المسنين إلى الوجود. فجأة تغيّر المشهد؛ لم يعد أولئك الذين كانوا يدفعون مقابل النوم في خيمة مضطرين لذلك، بل وجدوا فضاءً يوفر لهم الحد الأدنى من شروط العيش الكريم: أسرّة نظيفة، جدران تحمي، وأجواء مختلفة تعيد للإنسان إحساسه بالأمان.

غير أن التحول الأعمق لم يكن في البنية وحدها، بل في الروح التي دبت داخل هذا الفضاء. رئيسة الجمعية لم تكن مجرد مسيّرة، بل تحولت في نظر المسنين إلى سند إنساني حقيقي. حضورها، إنصاتها، ومتابعتها اليومية لتفاصيلهم، جعلت منها ما يشبه العائلة البديلة التي افتقدوها طويلًا، فكانت بالنسبة لهم أكثر من إدارة… كانت دفئًا يعوّض سنوات من الإهمال.

لكن، وفي مفارقة صادمة، لم يمر هذا التحول دون مقاومة. فمع بداية استقرار المشروع، ظهرت محاولات لسحب التسيير من رئيسة الجمعية، في توقيت يثير الكثير من التساؤلات. فجأة، وجد المشروع نفسه في قلب تجاذبات لا تعكس بالضرورة مصلحة المستفيدين، بقدر ما تعكس صراعات خفية حول التسيير والنفوذ.

وهنا يُطرح سؤال بالغ الأهمية: فهل ستؤدي هذه الصراعات إلى عودة المسنين إلى الشارع بعد سحب التسيير من رئيسة الجمعية الخيرية الإسلامية لدار المسنين بجماعة سيدي علال البحراوي؟

وسط هذا الوضع، يعيش المسنون حالة من الذهول والقلق. بالنسبة لهم، القضية لا تتعلق بتغيير إداري عابر، بل بإمكانية فقدان الشخص الذي أعاد إليهم الإحساس بأنهم ليسوا وحدهم. يتمسكون بها لأنها تمثل آخر خيط إنساني يربطهم بحياة أقل قسوة، وفي نظراتهم خوف صامت من العودة إلى نقطة البداية… إلى الخيمة، إلى الهامش، إلى ذلك العالم الذي كاد يمحو وجودهم.

ما بين خيمة في سوق أسبوعي تُباع فيها الكرامة بثمن زهيد، ومركز إيواء يحاول استعادتها، تختصر الحكاية مسارًا معقدًا بين الأمل والهشاشة. لكنها في العمق تطرح سؤالًا أكبر: لماذا تظل المبادرات الإنسانية، رغم ضرورتها ونجاعتها، عرضة للتعطيل بدل أن تحظى بالحماية والدعم؟

في النهاية، لا تبدو القضية مجرد صراع حول التسيير، بل معركة أعمق حول معنى الكرامة نفسها. فهؤلاء المسنون لا يدافعون عن شخص بقدر ما يتمسكون بإحساس نادر عاد إليهم بعد طول غياب… إحساس أنهم ما زالوا مرئيين، وأن إنسانيتهم لم تُطوَ بعد فعل ستعصف ازمة التسيير بمستقبل المؤسسة و يعود النزلاء،من حيث اتو …..؟

1000496701
مشاركة