الرئيسية آراء وأقلام الشباب في ميزان الأحزاب الإدارية: طاقة مُهمَّشة أم مجرد رقم انتخابي؟

الشباب في ميزان الأحزاب الإدارية: طاقة مُهمَّشة أم مجرد رقم انتخابي؟

file 000000000b0c71f8aee73e628e25cf05
كتبه كتب في 6 أبريل، 2026 - 5:30 مساءً

بقلم: د.يوسف الجياني/ عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة.

في كل محطة انتخابية، تعود نفس الصورة إلى الواجهة: شباب متحمس، حاضر بقوة في الحملات، نشيط على الأرض وفي الفضاء الرقمي، لكنه سرعان ما يختفي من المشهد مباشرة بعد إعلان النتائج. هذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً حول موقع الشباب داخل ما يُصطلح عليه بـ“الأحزاب الإدارية”، وهل يُنظر إليهم كفاعل حقيقي في صناعة القرار، أم مجرد أداة ظرفية لتحقيق مكاسب انتخابية؟
واقع الممارسة السياسية يكشف أن جزءاً مهماً من هذه الأحزاب لا يزال يتعامل مع الشباب بمنطق “الخزان الانتخابي”. يتم استدعاؤهم خلال الحملات، يُمنحون أدواراً ميدانية وتنظيمية، ويُعتمد عليهم في تعبئة الناخبين، خاصة داخل الأحياء والفضاءات الرقمية. غير أن هذا الحضور المكثف لا يترجم غالباً إلى تمثيلية حقيقية داخل هياكل القرار الحزبي.
المثير أن العديد من التنظيمات الحزبية تتوفر شكلياً على هياكل موازية موجهة للشباب، لكنها في العمق تظل محدودة التأثير. إذ تُستعمل هذه الفضاءات في كثير من الأحيان كآلية لتأطير الحماس الشبابي دون تمكينه فعلياً من الوصول إلى مواقع القيادة. وهنا تبرز معطيات لافتة: فمتوسط أعمار القيادات الحزبية يظل مرتفعاً، مقابل حضور ضعيف للشباب في المكاتب السياسية والهيئات التنفيذية، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة.
الأكثر إثارة هو أن بعض الشباب الذين يحاولون “تسلق السلم الحزبي” يصطدمون بجدار غير مرئي من العراقيل، يتجلى في منطق الولاءات، وشبكات النفوذ، وأحياناً في مقاومة داخلية لأي نفس جديد قد يهدد التوازنات القائمة. هذا الوضع يدفع عدداً من الكفاءات الشابة إما إلى الانسحاب في صمت، أو البحث عن بدائل خارج الإطار الحزبي التقليدي.
لكن تحميل المسؤولية للأحزاب وحدها قد لا يكون كافياً. فجزء من الإشكال يرتبط أيضاً بضعف التأطير السياسي، وتراجع الثقة في العمل الحزبي، ما يجعل انخراط الشباب غالباً ظرفياً وغير مؤطر برؤية طويلة المدى. كما أن التحولات الرقمية أفرزت أشكالاً جديدة من التعبير السياسي خارج القنوات التقليدية، وهو ما زاد من اتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات الحزبية.
في المقابل، لا يمكن إنكار وجود استثناءات داخل بعض الأحزاب التي بدأت تدرك أن تجديد النخب لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الاستمرارية. هذه الدينامية، وإن كانت محدودة، تعكس وعياً متنامياً بأهمية إدماج الشباب ليس فقط كقوة انتخابية، بل كشريك في القرار.
في المحصلة، يظل السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الأحزاب الإدارية الانتقال من منطق “توظيف الشباب” إلى “الاستثمار فيهم”؟ الجواب سيحدد إلى حد بعيد مستقبل الحياة السياسية، لأن إقصاء فئة واسعة تمثل عماد المجتمع لا يمكن إلا أن يكرس العزوف، ويُضعف الثقة في المؤسسات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل طاقاتها لبناء نموذج تنموي أكثر شمولاً.

مشاركة