الرئيسية أحداث المجتمع “سيدي بنور… حين يُعاقب الطفل والشاب بالانتماء الجغرافي ويُحرم من أبسط حقوقه.

“سيدي بنور… حين يُعاقب الطفل والشاب بالانتماء الجغرافي ويُحرم من أبسط حقوقه.

IMG 20260324 WA0020
كتبه كتب في 24 مارس، 2026 - 4:09 مساءً

بقلم عثمان لبصيلي

ماذا يستفيد الطفل والشاب البنوري من انتمائه لهذه النقطة الجغرافية المتسيبة؟ أليس نصيبه الأسوأ من العقاب أنه يولد في فضاء تُمارس فيه الجماعة الترابية سياسة النسيان والإقصاء والتهميش الممنهج؟ أليس الانتماء إلى سيدي بنور اليوم يعني أن تُحارب لا لذنب سوى أنك تطالب بحقك في التعليم، في الثقافة، في الرياضة، في بيئة نظيفة، وفي مستقبل كريم؟ هذه الأسئلة الصادمة تكشف أن الأزمة ليست في الحفر ولا في الإنارة ولا في الأزبال، بل في السياسات التي تُحوّل الديمقراطية المحلية إلى واجهة شكلية، وتُمارس العنف الرمزي ضد ساكنة بأكملها، أطفالاً وشباباً وشيوخاً.

أولاً: التهميش كعقاب جماعي

الطفل والشاب في سيدي بنور لا ينالان سوى نصيب منسي من الاهتمام، وكأنهما يُعاقبان فقط لأنهما ينتميان إلى هذه الرقعة الجغرافية. التهميش هنا ليس مجرد صدفة، بل سياسة ممنهجة تُعيد إنتاج الفشل وتُحوّل التنمية إلى شعارات فارغة. حتى حين تُبرمج ميزانيات لإصلاح الطرق أو الإنارة، يبقى ذلك شكلياً، لأن جوهر الأزمة يكمن في غياب رؤية اجتماعية تُعطي الأولوية للإنسان.

ثانياً: الإقصاء الاجتماعي والعنف الرمزي

من منظور بورديو، ما يحدث في سيدي بنور هو شكل من العنف الرمزي، حيث تُمارس السلطة المحلية إقصاءً ممنهجاً عبر سياسات تبدو محايدة لكنها في جوهرها تُقصي الفئات الهشة. الطفل والشاب البنوري يُحرم من فضاءات تربوية وثقافية ورياضية، ويُترك في مواجهة البطالة والفراغ، وهو ما يولّد إحساساً بالظلم ويُضعف الروابط الاجتماعية. هذا الإقصاء يُنتج حالة من الهشاشة الاجتماعية، حيث يصبح الفرد معرضاً للتهميش في التعليم والصحة والتشغيل والفضاء العام.

ثالثاً: الحرمان النسبي كإطار تفسيري

نظرية “الحرمان النسبي” تُفسر الشعور بالظلم باعتباره نتيجة مقارنة بين ما يملكه الفرد فعلياً وما يعتقد أنه يستحقه. الطفل والشاب البنوري حين يقارن وضعه بما يُفترض أن يكون متاحاً له وفق القانون التنظيمي 113.14، أو بما يحصل عليه أقرانه في مدن أخرى، يكتشف فجوة هائلة بين الواقع والمستحق. هذا الشعور يُحوّل الإقصاء إلى أزمة ثقة في المؤسسات، ويُغذي ديناميات احتجاجية، ويُهدد الاستقرار الاجتماعي.

رابعاً: القانون التنظيمي 113.14 وصلاحيات الجماعة

القانون التنظيمي رقم 113.14 يمنح الجماعات الترابية صلاحيات واسعة تشمل:

  • إحداث وتجهيز المرافق العمومية الاجتماعية والثقافية والرياضية.
  • دعم الجمعيات المحلية.
  • توفير فضاءات للشباب والأطفال.
  • تنمية الأنشطة الثقافية والرياضية.

غير أن جماعة سيدي بنور تُهمل هذه الاختصاصات، وتُحوّل الدورات إلى مجرد طقس إداري لا أثر له على الواقع. هذا الإخلال يُفقد المجلس شرعيته، ويُكرّس صورة سلبية عن العمل السياسي المحلي.

خامساً: أزمة الدورات الجماعية

الدورات الجماعية في سيدي بنور تُعقد بانتظام، لكنها لا تناقش وضعية الأطفال والشباب، ولا تتداول في الإكراهات الاجتماعية والثقافية والرياضية. هذا الغياب يُفرغ الدورات من مضمونها، ويجعلها بلا جدوى حقيقية. الديمقراطية المحلية تتحول إلى واجهة شكلية، بينما الواقع يظل رهيناً للتهميش والإقصاء.

سادساً: مقترح جدول أعمال دورة جماعية نموذجية

لإعادة الاعتبار للدورات الجماعية، يجب أن يُعاد صياغة جدول أعمالها ليضع الأطفال والشباب في صلب الاهتمام:

  1. المجال الاجتماعي:
  • تقييم وضعية الطفولة والشباب عبر تقارير ميدانية.
  • إحداث مراكز استقبال ودعم نفسي واجتماعي للأطفال في وضعية هشاشة.
  • إطلاق برامج للتكوين المهني للشباب العاطل.
  1. المجال الثقافي:
  • برمجة مهرجانات ثقافية سنوية للشباب.
  • إنشاء مكتبات جماعية وفضاءات للقراءة.
  • دعم المبادرات المسرحية والموسيقية والفنية.
  1. المجال الرياضي:
  • إحداث القاعات المركبات الرياضية.
  • بناء ملاعب القرب في الأحياء.
  • دعم الأندية الرياضية المحلية وفق معايير شفافة وواضحة وبناءا على مشروع وعقدة اهداف .
  • تنظيم دوريات رياضية للأطفال والشباب.
  1. المجال البيئي والصحي:
  • حملات توعية بيئية يقودها الشباب.
  • تحسين خدمات النظافة والصحة العمومية.
  1. المشاركة والتواصل:
  • تخصيص فقرة في كل دورة للاستماع لمقترحات الشباب.
  • إحداث مجلس استشاري للشباب داخل الجماعة.
  • اعتماد آليات رقمية للتواصل مع الساكنة.

سابعاً: خطة عمل زمنية (Calendar Roadmap)

لتنفيذ هذا الجدول، يمكن توزيع البرامج على أشهر السنة:

  • يناير – مارس: إعداد الدراسات الميدانية، إطلاق برامج التكوين المهني، تجهيز مكتبات القرب.
  • أبريل – يونيو: تنظيم مهرجانات ثقافية، بناء ملاعب القرب، إطلاق حملات بيئية.
  • يوليوز – شتنبر: تنظيم دوريات رياضية، دعم الجمعيات، تفعيل المجلس الاستشاري للشباب.
  • أكتوبر – دجنبر: تقييم البرامج، إعداد تقارير سنوية، برمجة ميزانيات جديدة وفق النتائج.

ثامناً: البعد الأكاديمي والتحليلي

  • العنف الرمزي (بورديو): يظهر في تجاهل الجماعة الترابية لبرامج الطفولة والشباب، حيث تُرسل رسالة ضمنية مفادها أن هذه الفئات ليست أولوية.
  • الحرمان النسبي: يُفسر لماذا يشعر سكان سيدي بنور بأنهم ضحايا “عقاب جماعي”، إذ يقارنون وضعهم بما يُفترض أن يكون متاحاً لهم وفق القانون التنظيمي 113.14، فيكتشفون فجوة بين الواقع والمستحق.
  • الهشاشة الاجتماعية: نتيجة مباشرة للإقصاء، حيث يُصبح الفرد معرضاً للتهميش في كل المجالات.

إن الطفل والشاب البنوري لا يستفيد شيئاً من انتمائه لهذه النقطة الجغرافية، بل ينال نصيباً من العقاب الأسوأ: النسيان والإقصاء والتهميش والمُحاربة. أزمة سيدي بنور ليست مجرد أزمة خدمات، بل أزمة ثقة في الديمقراطية المحلية، وأزمة سياسات تُقصي الإنسان وتُمارس العنف الرمزي ضده. الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة توجيه جدول أعمال الدورات الجماعية نحو القضايا الاجتماعية والثقافية والرياضية، وإدماج الأطفال والشباب في صلب الاهتمام. القانون التنظيمي 113.14 يمنح الجماعة صلاحيات واسعة، لكن تفعيلها هو ما يُعيد الاعتبار للإنسان كجوهر التنمية، ويُحوّل الجماعة إلى أداة للنهوض بالمدينة بدل أن تكون مجرد واجهة لإعادة إنتاج الفشل.

مشاركة